صنع المعنى: لماذا ينمو بعض الأشخاص بعد الصدمات بينما ينهار آخرون؟

وفاء عبدالله
الصفحة الرئيسية

 

صنع المعنى: لماذا ينمو بعض الأشخاص بعد الصدمات بينما ينهار آخرون؟

صنع المعنى: لماذا ينمو بعض الأشخاص بعد الصدمات بينما ينهار آخرون؟


لماذا يخرج بعض الأشخاص من التجارب القاسية أكثر قوة ونضجًا، بينما يخرج آخرون منها مثقلين بالاكتئاب واليأس؟ وإذا كان الحدث واحدًا، فما الذي يفسر هذا الاختلاف في الاستجابة؟

يرى عدد من علماء النفس أن الحدث نفسه ليس العامل الحاسم في تشكيل الاستجابة النفسية، بل المعنى الذي يمنحه الفرد لذلك الحدث. ومن هنا ظهر مفهوم "صنع المعنى"

يُعد مفهوم صنع المعنى من المفاهيم المهمة في علم النفس الوجودي، ويشير إلى العملية التي يفسر من خلالها الإنسان أحداث حياته وخبراته وعلاقاته، ويمنحها دلالة تساعده على فهم ذاته والعالم من حوله. ولا ينشأ هذا الاستعداد فجأة في مرحلة الرشد، بل يبدأ تكوينه منذ الطفولة. فقد أشار بولستر [1] إلى أن الطفل يتعلم منذ سنواته الأولى ربط أفعاله وأحداث حياته بمعانٍ وأهداف من خلال الأسرة والثقافة والمجتمع، ومع مرور الوقت يصبح قادرًا على بناء معانيه الخاصة وتفسير تجاربه بصورة مستقلة.

وتنبع أهمية صنع المعنى من حاجة الإنسان الأساسية إلى الشعور بأن حياته ذات قيمة وغاية. ويعبر عن ذلك قول نيتشه: "من لديه سبب يعيش من أجله، يستطيع تحمل أي كيفية للعيش". ومن هذا المنطلق يتكون صنع المعنى من عنصرين أساسيين: البحث عن المعنى، واستخدام الخبرات والذكريات السابقة لتوجيه السلوك الحالي والمستقبلي. [2]

لكن كيف يصنع الإنسان المعنى؟ يمكن النظر إلى العملية على أنها سلسلة من الخطوات النفسية المتتابعة:

1.   وقوع حدث أو تجربة مؤثرة.

2.   محاولة فهم الحدث وطرح أسئلة حول أسبابه ودلالاته.

3.   ربط الحدث بالقيم الشخصية والمعتقدات والخبرات السابقة.

4.   إعادة تفسير التجربة بطريقة تجعلها مفهومة وقابلة للاستيعاب.

5.   استخلاص درس أو هدف أو قيمة جديدة من التجربة.

6.   توظيف هذا الفهم في اتخاذ قرارات وسلوكيات مستقبلية.

ويمكن توضيح ذلك من خلال مثال لشخصين تعرضا للحدث نفسه، كفقدان وظيفة. قد يفسر الشخص الأول الحدث على أنه دليل على فشله وعدم كفاءته، فيشعر بالعجز والإحباط وربما تتطور لديه أعراض اكتئابية. أما الشخص الثاني فقد يمر بالمشاعر السلبية نفسها في البداية، لكنه يعيد تفسير التجربة باعتبارها فرصة لإعادة تقييم أهدافه أو اكتساب مهارات جديدة أو تغيير مسار مهني لا يناسبه. هنا لا يختلف الحدث، بل يختلف المعنى الذي أُعطي له. فالانتقال من المعاناة إلى النمو يحدث عندما يتمكن الفرد من فهم التجربة وربطها بقيمه وأهدافه المستقبلية بدلاً من اعتبارها نهاية الطريق.

لذلك لا يعتمد صنع المعنى على الأحداث وحدها، بل على الطريقة التي يفسر بها الفرد تلك الأحداث في ضوء ثقافته وتاريخه الشخصي وخبراته وظروفه الحياتية. ولهذا السبب يظل المعنى أمرًا فرديًا وشخصيًا؛ فما يمنح الحياة معنى لشخص ما قد لا يحمل الدلالة نفسها لشخص آخر.

إن صنع المعنى عملية نفسية مستمرة يسعى من خلالها الإنسان إلى فهم تجاربه وربطها بقيمه وأهدافه. ورغم أن الأحداث قد تكون متشابهة بين الأفراد، فإن المعاني التي يمنحونها لهذه الأحداث تختلف باختلاف خبراتهم وتفسيراتهم. ومن خلال هذه العملية لا يكتفي الإنسان بفهم ما يمر به، بل يستطيع تحويل حتى التجارب المؤلمة إلى مصدر للنمو والتكيف والقدرة على مواصلة الحياة.

تنبيه: يعد صنع المعنى مفهومًا واسعًا ومتشعبًا في علم النفس، ويتداخل مع عدد من المفاهيم الأخرى مثل النمو ما بعد الصدمة، والمعنى في الحياة، والمرونة النفسية، وإعادة التقييم المعرفي، والهوية السردية، والإبداع الوجداني. لذلك فإن ما عُرض في هذه المقالة يمثل مدخلًا مبسطًا للمفهوم، وليس استعراضًا لجميع جوانبه النظرية والتطبيقية.

 

 

 

 

 

المراجع

[1]

 polster,E. (1987). Every persons life it wort a novel. New York. w.w. Norton.

[2]

مصطفى، سارة. (2023)، صناعة المعنى وحس الفكاهة كمنبئات بالرفاهة النفسية لدى عينة من الراشدين، مجلة كلية التربية، جامعة عين شمس (47) 4

 

 

 


google-playkhamsatmostaqltradent