من هي ماري جين ماكلويد بيثون؟

وفاء عبدالله

 

من هي ماري جين ماكلويد بيثون؟

ماري جين ماكلويد بيثون


في عام 1875، وبعد عشر سنوات فقط من انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية وإلغاء العبودية في الولايات المتحدة، وُلدت طفلة سوداء في مزرعة صغيرة بولاية كارولاينا الجنوبية. كانت الطفلة الخامسة عشرة بين سبعة عشر طفلًا لوالدين عملا سابقًا في العبودية قبل أن ينالا حريتهما. لم يكن أحد يتوقع أن هذه الطفلة، التي عاشت في فقر شديد ولم تعرف القراءة في سنواتها الأولى، ستصبح يومًا واحدة من أكثر النساء تأثيرًا في تاريخ التعليم وحقوق الأمريكيين من أصل أفريقي. كانت تلك الطفلة هي ماري ماكلويد بيثون.

تروي بعض الروايات أن جدتها، يوم ولادتها، قالت إنها ستكون طفلة مميزة عن غيرها. ورغم أن أسرتها لم تكن تملك سوى القليل، ولم تتخيل يومًا المكانة التي ستصل إليها، فإن ماري كانت منذ طفولتها تمتلك شيئًا لم يكن متاحًا لكثيرين في ذلك الوقت: فرصة للتعليم.

كانت ماري الوحيدة بين إخوتها التي التحقت بمدرسة مايزفيل ، وكانت تقطع نحو خمسة أميال سيرًا على الأقدام كل يوم ذهابًا وإيابًا. لم تكن الرحلة سهلة، لكنها علمتها الانضباط والصبر والإصرار، ورسخت في داخلها قناعة مبكرة بأن التعليم قادر على تغيير حياة الإنسان، وهي الفكرة التي ستصبح لاحقًا محور رسالتها في الحياة.

واصلت ماري تعليمها حتى تخرجت عام 1894 من مدرسة سكوتيا الداخلية في ولاية كارولاينا الشمالية، ثم التحقت بمعهد دوايت مودي للبعثات الداخلية والخارجية في مدينة شيكاغو. كانت تحلم بأن تصبح مبشرة مسيحية في إفريقيا، إلا أن هذا الحلم لم يكتمل، إذ لم تُتح لها الفرصة للقيام بذلك فاتجهت للتعليم.

وخلال عملها معلمة في ولاية كارولاينا الجنوبية، تزوجت من زميلها المعلم ألبرتوس بيثون، ورُزقا بابنهما ألبرت عام 1899. وفي تلك الفترة، كانت ماري تؤمن بأن أبناء مجتمعها يستحقون الفرص التعليمية نفسها التي كانت تُتاح للأطفال البيض. فقد رأت أن الفقر والتمييز العنصري اللذين عانى منهما الأمريكيون من أصل أفريقي لم يكونا قدرًا محتومًا، بل نتيجة لحرمان أجيال كاملة من حقها في التعليم. لذلك آمنت بأن الطريق نحو حياة أكثر كرامة ومساواة لا يبدأ بالمطالبة بالحقوق فحسب، بل يبدأ من المدرسة، حيث يتعلم الطفل القراءة والكتابة، ويكتسب المعرفة التي تمكنه من بناء مستقبله وبينما كانت تحمل هذه القناعة، بدأت تتابع ما يحدث في ولاية فلوريدا، حيث كان رجل الأعمال هنري فلاغلر يوسّع خط سكة حديد الساحل الشرقي، معتمدًا على أعداد كبيرة من العمال السود الذين استقر كثير منهم في منطقة دايتونا بيتش مع عائلاتهم. رأت ماري في ذلك مجتمعًا جديدًا ينمو بسرعة، لكنها رأت أيضًا أن أبناء هؤلاء العمال يكبرون دون فرص حقيقية للتعليم. عندها أدركت أن رسالتها تنتظرها هناك

حملت ماري ما تملك من إيمان أكثر مما تملك من مال، وانتقلت إلى دايتونا بيتش وهي عازمة على تأسيس مدرسة للفتيات السود. وفي الثالث من أكتوبر عام 1904 افتتحت مدرسة دايتونا الأدبية والصناعية لتدريب الفتيات السود، ولم يكن رأس مالها يتجاوز دولارًا وخمسين سنتًا.

لم يكن تأسيس المدرسة مهمة سهلة، فقد واجهت منذ البداية مقاومة من السلطات المحلية التي كانت ترى أن تعليم الفتيات السود أمر لا جدوى منه، وأنهن لن يحتجن إلى أكثر من المهارات اللازمة للعمل خادمات أو مدبرات منازل. وعندما قيل لها إن السود لا يحتاجون إلى التعليم، أجابت بذكاء: «دعني أعلمهن القراءة والكتابة حتى يصبحن خادمات ومدبرات منازل أفضل». لم يكن هذا الرد تعبيرًا عن حدود طموحها، بل كان أسلوبًا دبلوماسيًا لتخفيف المعارضة وكسب فرصة لإنشاء مدرستها، بينما كانت تؤمن في قرارة نفسها بأن التعليم قادر على أن يفتح لطالباتها آفاقًا أوسع بكثير مما كان المجتمع يتوقعه لهن.

كانت الإمكانات شحيحة إلى حد أنها صنعت أقلام الرصاص من الخشب المتفحم، وأعدت الحبر من ثمار البلسان، وصنعت الفُرش من أكياس الذرة المحشوة بالطحالب. ورغم هذه الظروف، بدأت المدرسة بخمس فتيات صغيرات وابنها ألبرت جونيور، وسرعان ما أخذ عدد الطلاب في الازدياد حتى بلغ نحو 250 طالبًا خلال أقل من عامين.

ومع مرور السنوات، لم تعد المدرسة مجرد مبنى صغير، بل تحولت إلى مؤسسة تعليمية راسخة، واندمجت لاحقًا مع معهد كوكمان لتُنشأ كلية بيثون–كوكمان عام 1929، والتي منحت أولى شهاداتها الجامعية عام 1943.

لكن ماري لم تكن ترى أن التعليم وحده يكفي لبناء مجتمع قوي. فخلال احتكاكها اليومي بالمجتمع، أدركت أن الأمريكيين من أصل أفريقي كانوا يفتقرون أيضًا إلى الخدمات الصحية، وإلى المرافق العامة التي تُعاملهم بكرامة، وإلى مؤسسات تدافع عن حقوقهم. لذلك وسعت رسالتها إلى ما هو أبعد من المدرسة، فأسست مستشفى ومدرسة لتدريب الممرضات، وكانت من أوائل المؤسسات التي قدمت خدماتها للنساء الأمريكيات من أصل أفريقي على الساحل الشرقي. كما ساهمت في إنشاء شاطئ بيثون-فولوشيا، ليكون متنفسًا آمنًا للأشخاص الملونين في زمن كانت فيه قوانين الفصل العنصري تمنعهم من استخدام كثير من الشواطئ العامة.

لم تتوقف رسالة ماري عند التعليم والرعاية الصحية، بل امتدت إلى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة. فقد أدركت أن تحسين حياة الأمريكيين من أصل أفريقي لا يعتمد على المبادرات المحلية وحدها، وإنما يتطلب أيضًا وجود من يمثلهم داخل المؤسسات الحكومية ويطالب بحقوقهم على المستوى الوطني.

وبفضل مكانتها المتزايدة، أصبحت ماري مستشارة لأربعة رؤساء أمريكيين، في إنجاز غير مسبوق لامرأة سوداء في ذلك الوقت. ففي عام 1928 عيّنها الرئيس كالفن كوليدج في اللجنة الوطنية لرعاية الطفل، ثم اختارها الرئيس هربرت هوفر للعمل في لجنة بناء المنازل وملكية المنازل، كما انضمت إلى لجنة صحة الطفل عام 1930.

ومع وصول الرئيس فرانكلين روزفلت إلى البيت الأبيض، اتسع تأثيرها بصورة أكبر. ففي عام 1935 عيّنها مستشارة خاصة لشؤون الأقليات، كما أصبحت مديرة قسم شؤون الزنوج في الإدارة الوطنية للشباب، لتصبح أعلى امرأة أمريكية من أصل أفريقي تشغل منصبًا فيدراليًا في ذلك العصر. ومن خلال هذا المنصب، عملت على توسيع فرص التعليم والتدريب والعمل للشباب السود، وسعت إلى أن يكون لهم حضور أكبر داخل مؤسسات الدولة.

واستمر تقدير الحكومات الأمريكية لدورها حتى بعد ذلك؛ إذ عيّنها الرئيس هاري ترومان عام 1951 عضوًا في لجنة الدفاع الوطني، ثم اختارها في العام التالي مندوبةً رسمية لحضور مراسم تنصيب الرئيس ويليام فاكاني راتادي توبمان في ليبيريا، في اعتراف بمكانتها بوصفها إحدى أبرز الشخصيات الأمريكية في مجالي التعليم والحقوق المدنية.

ولم تقتصر مسيرتها على المناصب الحكومية، فقد حصدت أيضًا العديد من الأوسمة والجوائز والدرجات الفخرية، من بينها الدكتوراه الفخرية من كلية رولينز، تقديرًا لإسهاماتها في التعليم والعمل الاجتماعي. وبعد عقود من وفاتها، استمر إرثها حاضرًا في الذاكرة الأمريكية؛ ففي عام 2022 أصبحت أول امرأة أمريكية من أصل أفريقي تمثل ولاية في قاعة التماثيل الوطنية داخل مبنى الكابيتول الأمريكي، وهو تكريم يعكس المكانة التي وصلت إليها بعد رحلة بدأت بطفلة فقيرة لم تكن تملك سوى إيمانها بقوة التعليم.

ولم يكن تكريمها مقتصرًا على المؤسسات الرسمية، فقد كانت أيضًا أول امرأة وأول أمريكية من أصل أفريقي يُقام لها تمثال في حديقة عامة بالعاصمة واشنطن. ويُظهر التمثال، الذي نحته الفنان روبرت بيركس، ماري وهي تسلم إرثها رمزيًا لطفلين، في إشارة إلى إيمانها بأن مستقبل المجتمع يبدأ بتعليم أجياله. وقد نُقشت على قاعدة التمثال كلماتها التي اختصرت فلسفة حياتها:

«أترك لكم الحب. أترك لكم الأمل. أترك لكم تحدي بناء الثقة المتبادلة. أترك لكم شغفًا بالمعرفة. أترك لكم احترامًا لاستخدام السلطة. أترك لكم الإيمان. أترك لكم الكرامة الإنسانية. أترك لكم رغبة في العيش بانسجام مع إخوانكم في الإنسانية. وأترك لكم، أخيرًا، مسؤولية تجاه شبابنا

لم تكن هذه الكلمات مجرد وصية، بل كانت انعكاسًا لحياة كرستها ماري ماكلويد بيثون لخدمة الآخرين. فمن طفلة نشأت في أسرة عانت آثار العبودية، إلى معلمة أسست مدرسة بدولار وخمسين سنتًا، ثم إلى مستشارة لرؤساء الولايات المتحدة ورمزٍ للنضال من أجل التعليم والمساواة، تركت بيثون إرثًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم، مؤكدًا أن المعرفة قد تكون أقوى وسيلة لتغيير المجتمعات وصناعة المستقبل

 

 

المراجع

Bethune-Cookman University. (n.d.). Dr. Mary McLeod Bethune. https://www.cookman.edu/history/our-founder.html

Michals, D. (2015). Mary McLeod Bethune. National Women's History Museum. https://www.womenshistory.org/education-resources/biographies/mary-mcleod-bethune

Turning Point Suffragist Memorial. (n.d.). Mary McLeod Bethune (1875–1955). https://suffragistmemorial.org/mary-mcleod-bethune-1875-1955/

WildCast The Official YouTube Channel of B-CU. (2025, October 17). The life of Mary: A documentary on Mary McLeod Bethune [Video]. YouTube. https://www.youtube.com/watch?v=pD6tPz033PI

 






google-playkhamsatmostaqltradent