الفصام عبر الزمن: نظرة على تطور التصنيفات
الفصام (الشيزوفرينيا) اضطراب ذهاني معقد وتاريخي في الطب
النفسي، تظهر دراسات مبكرة ولاحقة محاولات متعددة لوضعه ضمن فئات واضحة بحسب
الأعراض، المسار المرضي، والعوامل المسببة والمصيرية. ومع تطور البحوث ، تأرجح
الاهتمام من تقسيمات سلوكية تقليدية نحو نماذج أكثر شمولية وبيولوجية
* الفصام الترجمة الإنجليزية
لكلمة الشيزوفرينيا .
1. جذور التصنيف الكلاسيكي: البدايات الأوروبية
*
التصنيفات الأوّلية
وأسماء الأنواع
في أوائل القرن العشرين، تم اعتماد تقسيمات تعتمد الأعراض
السائدة لتحديد «أنواع» الشيزوفرينيا، وهي:
- الشيزوفرينيا البسيطة – غلبة الأعراض
السلبية مثل انخفاض العاطفة والاستجابة.
- الهبفرينيا – سيطرة اضطراب الفكر والعاطفة.
- الكاتاتونيا – اضطرابات حركية
واضحة بين السكون والحركة المفرطة.
- البارانويا – سيادة الأوهام
والاضطرابات الذهانية المرتبطة بالشك والاضطهاد.
2. التصنيفات التقليدية القائمة على السيرة والمصير المرضي
أ-
حاد مقابل مزمن
التقسيم إلى حالات حادة ومزمنة رغم بساطته،
يعدّ محاولة لربط طبيعة البداية ومسار المرض بمدى التعافي.
يرى البعض أن الحالات المزمنة ترتبط بقلة احتمال الشفاء، بينما الحالات
الحادة قد تستجيب للعلاج وتكون قابلة للتقييم كاضطرابات ذهانية غير شيزوفرينية في
البداية.
ب-
الحادثة مقابل الانفعالية للعالم (كينت 1948)
يقترح هذا التمييز نوعين رئيسيين:
· الشيزوفرينيا الحادثة: ولها تسميات أخرى مثل الشيزوفرينيا التكوينية، والشيزوفرينيا
الصافية هي اضطراب يبدأ تدريجيًا وببطء، يسبقه تاريخ طويل من سوء التكيف الاجتماعي
والمشكلات الأسرية والمدرسية، ويترافق مع انسحاب اجتماعي، قلة في الإنجاز، بلادة
وجدانية، وضعف في الفعالية العامة، وغالبًا ما يظهر لدى أفراد غير متزوجين، غير
اجتماعيين، عاطلين عن العمل، مع وجود تاريخ عائلي لمرض عقلي مزمن، وقد اعتُبرت هذه
الصورة النموذج الكلاسيكي “القاسي” للفصام نظرًا لمساره المزمن ومصيره غير القابل
للشفاء في الغالب.
· أما الشيزوفرينيا الانفعالية فتتميز ببداية حادة مفاجئة تحدث عادة
عقب ضغوط نفسية شديدة، لدى أفراد كانت شخصياتهم قبل المرض متوازنة ومنتجة وقادرة
على العمل وبناء علاقات اجتماعية طبيعية، دون وجود تاريخ عائلي واضح للمرض العقلي،
وفي سياق أسري أكثر استقرارًا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك يُعد
مسارها أفضل نسبيًا، وقد اعتُبرت أقرب إلى الحالات الشبيهة بالفصام منها إلى
الفصام الخالص.
3. التصنيفات السلوكية التفصيلية
أ- العالم كاميرون (1947)
اقترح تقسيم الحالات الشيزوفرينية تبعاً لأسلوب السلوك
إلى:
- العدوانية
- الخضوع
- الانفصال
وهي مقاييس أكثر سلوكية من الاعتماد البحت على الأعراض الذهانية، مما يبرز تنوع الاستجابات السلوكية داخل الفصام.
ب- العالم شنايدر (1942)
قسم الشيزوفرينيا إلى ثلاثة أنماط:
- الحالة الانطوائية الفكرية – بها انقسام في الفكر، ومضات
إيحائية. مثال (مريض يجلس أغلب وقته
صامتًا، وعندما يُسأل يجيب بجمل قصيرة ومبتورة، ثم يتوقف فجأة وكأنه فقد خيط
الفكرة، ويذكر أحيانًا أفكارًا ذات طابع إيحائي مثل اعتقاده أن الأحداث
اليومية تحمل “رسائل خفية” موجهة إليه، دون أن يستطيع شرحها بوضوح)
- العشوائية/اللامنهجية – أفكار غير
مترابطة مع تقلبات عاطفية. مثال (مريض
يبدأ الحديث عن دراسته، ثم ينتقل فجأة إلى الحديث عن لون الجدران، ثم يشكو من
صداع، دون رابط منطقي بين المواضيع، ويظهر خلال الحديث متقلب المزاج؛ ينتقل
من الضحك إلى القلق ثم إلى الانزعاج في دقائق قليلة.(
- الهرائية – كلام سليم
لغويًا لكنه بلا معنى حقيقي. مثال (مريض يتحدث بطلاقة
وبجمل صحيحة لغويًا مثل:
«الزمن يمشي بخط مستقيم لأن الفكرة تحتاج إلى قبعة»،
وعند الاستماع إليه يبدو الكلام منظمًا شكليًا، لكن معناه غير مفهوم ولا يحمل دلالة واقعية، مع برود وجداني ولا مبالاة بمن حوله.(
يعكس هذا التقسيم العلاقة بين نوعية التفكير ومحتواه والسياق النفسي للأعراض، ويمكن الرجوع لتفاصيل تقسيم شنايدر من خلال المقالة التالية "كورت شنايدر (اعراض الفصام من الدرجة الأولى)".
4. من النموذجية إلى غير النموذجية
أ- العالم كلايست
- قسّم كلايست الشيزوفرينيا (الفصام) إلى صنفين رئيسيين هما الشيزوفرينيا
النموذجية والشيزوفرينيا غير النموذجية، حيث افترض أن الحالات النموذجية تنشأ
نتيجة اضطراب يقتصر على نظامين عصبيين فقط داخل الجهاز العصبي، في حين اعتبر أن
الحالات غير النموذجية تنتج عن اضطراب يشمل عددًا أكبر من الأنظمة العصبية. وتمتاز
الشيزوفرينيا النموذجية ببداية تدريجية ومسيرة مرضية متواصلة، مع وضوح نسبي في
الأعراض وتحدد الصور المرضية ضمن أنماط سريرية معينة، بينما تتسم الشيزوفرينيا
غير النموذجية بتعدد وتنوع المظاهر المرضية، وببداية غير تدريجية ومسار غير منتظم
تكثر فيه الانتكاسات والتقلبات، إضافة إلى بروز دلائل العامل الوراثي فيها بدرجة
أكبر مقارنة بالحالات النموذجية.
·
شيروفينيا نموذجية: بداية تدريجية
ومسار مستمر.
·
غير نموذجية: صور متنوعة، بداية غير تدريجية، وتكرار انتكاسات.
ب- العالم ليونهارد
قسمها إلى:
- نظامية: أعراض واضحة
ومحددة، مع بداية تدريجية. (مريض تبدأ حالته بشكل
تدريجي وهادئ، حيث يلاحظ المحيطون به تراجعًا بطيئًا في التفاعل الاجتماعي،
وضعفًا متزايدًا في التعبير العاطفي، مع ظهور أعراض ذهانية محددة وثابتة مثل
نمط واحد من اضطراب التفكير أو العاطفة يستمر بنفس الشكل عبر الزمن، دون
تقلبات حادة أو تغيرات مفاجئة في الصورة المرضية.(
- غير نظامية: بداية حادة، تقلبات في الأعراض، ومن بينها صور مثل الفصام الهرائي أو
الكاتاتوني الدوري.( مريض تظهر
عليه الأعراض بشكل حاد ومفاجئ، فيمر بفترات يتحدث فيها كلامًا هرائيًا غير
مفهوم، ثم يدخل في نوبات من الجمود الحركي أو النشاط الزائد، ثم يعود لفترات
يبدو فيها أقرب إلى الحالة الطبيعية، مع تكرار الانتكاسات وتبدل الصورة
المرضية من فترة لأخرى.)
5. التصنيف الروسي
الطب النفسي الروسي – متأثراً بنماذج كر بلين – يرى في مسار
المرض والانتكاسات أساساً تصنيفياً، مع أنواع مثل:
- الفصام المستمر (Continuous)( مريض يظهر
عليه انخفاض دائم في التفاعل الاجتماعي وفقدان تدريجي للدافعية، مع أعراض
ذهانية ثابتة مثل أفكار غريبة عن الآخرين أو أوهام بسيطة مستمرة، ولا توجد فترات تعافي واضحة،
بل تستمر الأعراض بشكل مستمر عبر السنوات.)
- الفصام الدوري غير المتدرّج (مريض يمر بفترات قصيرة من الأعراض الحادة،
مثل أوهام الاضطهاد أو الهلوسة، ثم تتحسن حالته فجأة ويبدو طبيعيًا لبضعة
أشهر، ثم تعود الأعراض بشكل مفاجئ دون ترتيب تدريجي.)
- الفصام المتدرّج شبه المتغير (مريض يبدأ بتغيرات بسيطة في السلوك والمزاج،
مثل الانسحاب التدريجي من الأنشطة الاجتماعية أو تراجع الإنتاجية، ثم تتطور
الأعراض تدريجيًا إلى أوهام أكثر وضوحًا واضطرابات تفكير، مع بعض الانتكاسات أو التقلبات العرضية على
طول الطريق.)
* وهذا يعكس تركيزًا على ديناميكية
المرض بمرور الوقت. لكن من الجدير بالذكر أن بعض هذه التصنيفات (مثل مفهوم «الشيزوفرينيا
البطيئة» في الأدبيات الروسية) لم يلقَ دعماً علمياً قوياً خارج نطاقات محددة.
الانتقال نحو نماذج أحدث
التصنيفات التاريخية للفصام تنطلق غالباً من كثافة أعراض
بعينها، مثل الأوهام أو اضطراب الحركة، أو من مسار المرض عبر الزمن
ما سبق عرضه يمثل أبرز محاولات تصنيف الشيزوفرينيا
(الفصام) عبر التاريخ، بدءًا من التصنيفات الكلاسيكية المبنية على الأعراض،
مرورًا بالمقاربات السلوكية والفكرية، ووصولًا إلى التصنيفات الروسية التي ركّزت
على مسار المرض والانتكاسات. ومع ذلك، يجدر بالذكر أن هذه ليست التصنيفات
الوحيدة
المراجع
1.
كمال، علي. (1986).
فصام العقل او الشيزوفرينيا. المؤسسة العربية للدراسات والنشر
2.
Fusar-Poli, P., & Politi, P.
(2008). Subtyping schizophrenia based on symptomatology and cognition:
historical perspectives. PMC. https://doi.org/10.1016/j.pscychresns.2020.111136
3.
Schizophrenia: an overview of
classification and symptoms. PMC (2019). https://doi.org/10.1176/appi.focus.20160006.
4.
A subtype of institutionalized
patients with schizophrenia characterized by neuroanatomic and cognitive
features. PMC. https://doi.org/10.1038/s41386-022-01300-w.
5.
Sluggish schizophrenia and
longitudinal types of schizophrenia in Russian psychiatry. Wikipedia. ويكيبيديا
