البارانويا (Paranoia)
إحدى أكثر الحالات إثارة للجدل في تاريخ الطب النفسي،
فالبارانويا حالة ظاهره متواجدة ليست بكثرة مقارنة بغيرها من الاضطرابات العقلية، ومع
ذلك ظلت محل نقاش طويل حول طبيعتها:
هل هي اضطراب مستقل قائم بذاته؟
أم أنها نمط مميز ضمن طيف الشيزوفرينيا؟
أم أنها حالة تبدأ بارانوية وتنتهي بتدهور ذهاني شامل؟
هذا الجدل لم يكن وليد العصر الحديث، بل يمتد جذوره إلى
التاريخ الطبي القديم.
الأصل التاريخي لمفهوم البارانويا
يُعد مصطلح البارانويا من أقدم المصطلحات في الطب
النفسي، إذ يعود استعماله إلى الطبيب الإغريقي أبقراط، أي قبل ظهور مفهوم
الشيزوفرينيا بقرون طويلة.
وقد استُخدم المصطلح آنذاك للإشارة إلى طيف واسع من الاضطرابات العقلية،
شملت:
- الصرع
- الهوس (Mania)
- الملانخوليا (Melancholia)
وكان مفهوم البارانويا عند أبقراط ومعاصريه قريبًا من
الفهم العام لحالات “الجنون” أو “التدهور العقلي”،
دون التفريق الدقيق الذي نعرفه اليوم.
الاشتقاق
اللغوي
مصطلح Paranoia مشتق من كلمتين يونانيتين:
- Para وتعني: إلى جانب
- Nous وتعني: العقل
أي: “العقل الذي يسير إلى جانب نفسه”،
في دلالة رمزية على الانفصال عن التفسير المشترك للواقع.
بعد توقف دام ما يقارب عشرين قرنًا عن استخدام ، عاد
الأطباء النفسيون في القرن التاسع عشر إلى إحيائه، إما بالاحتفاظ به كما
هو، أو باستبداله بمصطلحات قريبة في المعنى.
تطور المفهوم الحديث للبارانويا
في التصنيفات الحديثة، جرى حصر مفهوم البارانويا في
الحالات التي يتميز فيها المريض بـ:
- وجود أوهام منظمة وثابتة
- غياب الهلاوس .
وقد استخدم هذا المصطلح عدد من أعلام الطب النفسي، من
بينهم بلولر وفرويد، مع اختلافهم في تفسير الأسباب والبنية النفسية
للحالة.
هل البارانويا مرض مستقل؟
تعددت الآراء حول طبيعة البارانويا، ويمكن تلخيصها في
ثلاث اتجاهات رئيسية:
1.
اعتبارها اضطرابًا
عقليًا مستقلًا له سماته ومساره الخاص.
2.
اعتبارها نوعًا
فرعيًا من الشيزوفرينيا (الشيزوفرينيا البارانوية)
3.
اعتبارها مرحلة
أولية قد تنتهي لاحقًا بتطور ذهاني شامل.
هذا الخلاف لا يزال حاضرًا حتى اليوم،
وإن كانت التصنيفات الحديثة DSM-5-TR؛ ICD-11 تميل
إلى إدراجها ضمن اضطرابات الضلالات (Delusional
Disorders).
خصائص البارانويا: من السمة إلى المرض
من المهم
التأكيد أن السمات البارانوية موجودة بدرجات متفاوتة لدى جميع البشر، بغض
النظر عن الجنس، أو الثقافة أو الدين أو الخلفية الاجتماعية.
بعبارة أوضح:
"ليس
كل شكٍّ مرضًا، وليس كل حذرٍ بارانويا".
لكن هذه السمات تتحول إلى حالة مرضية عندما:
- تتجاوز الحدود المقبولة اجتماعيًا
- تصبح ثابتة ومهيمنة
- تؤثر في السلوك والعلاقات والوظائف الحياتية
العنصر الجوهري في جميع أشكال البارانويا
العنصر المشترك والأساسي هو:
عدم الثقة العميق بالآخرين، والميل
المستمر لتفسير نواياهم على أنها عدائية أو خادعة.
والفرق بين الحالات المختلفة هو فرق في الدرجة وليس في النوع.
الطيف البارانويدي: من الطبيعي إلى المرضي
يمكن وضع السمة البارانوية ضمن طيف يشمل:
1.
الشخصية الطبيعية
2.
الشخصية البارانوية
3.
الاضطرابات
البارانوية، وتشمل:
o
البارانويا
o
البارانويا المشتركة
o
الاضطرابات
البارانوية الحادة
o
الاضطرابات غير
النموذجية
o
الشيزوفرينيا
البارانوية
o
أعراض بارانوية ضمن
الاكتئاب، الهوس، الاضطرابات العضوية، الإدمان، والاضطرابات الهرمونية
الشخصية الطبيعية والسمات البارانوية الخفيفة
يحمل كثير من الناس سمات بارانوية خفيفة وغير مرضية،
مثل:
- الشك المؤقت في نوايا الآخرين
- تفسير بعض المواقف وكأنها موجهة ضدهم
- إلقاء اللوم على الآخرين أحيانًا
- تبني معتقدات غير قابلة للإثبات المنطقي
هذه الظواهر لا تُعد مرضية ما دامت لا تؤثر على
الأداء الوظيفي أو العلاقات الاجتماعية.
الشخصية البارانوية
(Paranoid Personality)
الشخصية البارانوية نمط شخصي مميز، لا يُعد مرضًا عقليًا
صريحًا، لكنه يختلف بوضوح عن الشخصية السوية.
خصائصها الأساسية
تبدأ في الظهور مبكرًا، وقد تتفاقم مع الزمن أو كرد فعل
للضغوط. ومن أبرز سماتها:
- عدم ثقة مزمن بالآخرين
- حساسية مفرطة لرصد “الأدلة” المؤيدة للشك
- توقع دائم للأذى أو الخداع
- تفسير تصرفات الآخرين على أنها موجهة ضده
- الميل لاستخلاص معانٍ خفية من الكلام والسلوك
- رفض تحمّل المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين
- المشاكسة، كثرة الشكاوى، والتعصب الأخلاقي أو الديني
- توتر عضلي مزمن وصعوبة الاسترخاء
- انشغال مفرط بالتفاصيل
- بروز الغيرة والحسد والبرودة العاطفية
(كمال، 1986)
تشير بعض الدراسات إلى أن هذه الشخصية تظهر بنسبة أعلى
بين أقارب مرضى الشيزوفرينيا، كما أن بعض الحالات قد تتطور لاحقًا إلى
اضطراب ذهاني (APA, 2022).
تفسير نشأة الشخصية البارانوية
تعددت التفسيرات النظرية، من أبرزها:
- فرويد: ربطها بالدفاع
ضد ميول جنسية مكبوتة
- كولبي (Kolb): ربطها بالشعور بالنقص والخزي والخوف من الإذلال
- نظريات التعلق: تشير إلى تنشئة قائمة على الغضب غير المتوقع أو الرفض
الوالدي
الاضطرابات البارانوية
(Paranoid Disorders)
تشترك هذه الاضطرابات في:
- وجود أوهام ثابتة ومنظمة
- غياب تفسير عضوي أو ذهاني شامل
- احتفاظ نسبي بسلامة الشخصية
أبرز الأعراض المصاحبة
- الغضب
- الأفكار المرجعية
- العزلة الاجتماعية
- العدوانية التي قد تصل إلى العنف
أنواع الاضطرابات البارانوية
أولًا: البارانويا
يُعرَّف اضطراب البارانويا بوجود منظومة من
الأوهام المستقرة والملازمة للفرد، وهي أوهام تتسم بدرجة عالية من التنظيم
والاتساق الداخلي
يميل الشخص المصاب البارانويا إلى امتلاك إحساس
قوي بقيمته الذاتية وبقدراته الخاصة، وغالبًا ما يتعامل مع من يشكك في آرائه
أو معتقداته بنوع من الاستعلاء أو الازدراء. وتكون استجاباته الانفعالية
وسلوكياته اليومية منسجمة إلى حد كبير مع مضمون الأوهام التي يتبناها، بحيث يبدو
تصرفه – من منظوره الداخلي – منطقيًا ومبررًا.
أنواعها:
-
البارانويا
الاضطهادية
تُعد هذا النمط الأكثر شيوعًا بين أنماط البارانويا. وتتسم بـ عدم الثقة
المزمن بالآخرين، وتوقع الإيذاء، وسوء تأويل النوايا.
في هذا النوع، يعجز الفرد عن الاعتراف بمشاعره العدوانية الداخلية، فيقوم بإسقاطها
على أشخاص أو جماعات خارجية، مقتنعًا بأنهم يضمرون له العداء أو يسعون للإضرار
به. وبناءً على هذا التصور، قد يتخذ سلوكيات دفاعية أو هجومية، وقد يصل الأمر في
بعض الحالات إلى ارتكاب أفعال عدوانية أو إجرامية، يراها المريض ضرورية
لحماية نفسه من خطر يعتقد أنه وشيك، رغم غياب أي تهديد واقعي.
-
البارانويا
الاعتدادية (بارانويا العظمة او جنون العظمة)
يتبنى المريض هنا صورة ذاتية تتسم بـ التضخم المرضي، فيرى نفسه شخصًا
استثنائيًا، وقد يدّعي امتلاك نفوذ واسع، أو ثروة كبيرة، أو معرفة خاصة، أو قدرات
خارقة، أو دورًا مهم وفريدًا.
-
البارانويا الشهوانية
يتمحور الوهم الأساسي في هذا النوع حول اعتقاد الفرد بأن شخصًا ذا مكانة
اجتماعية مرموقة يكنّ له مشاعر حب أو تربطه به علاقة عاطفية خاصة، بغض النظر
عن جنس هذا الشخص.
غالبًا ما يسعى المريض إلى التصرف بما يتلاءم مع هذا الاعتقاد، فيحاول
التواصل مع الشخص المعني أو تفسير سلوكياته العادية على أنها دلائل خفية على الحب.
- البارانويا الوسواسية
يسيطر على المصاب في هذا النمط عدد من الأفكار الوسواسية الغامضة،
والتي يعبر عنها عادةً بشكوى متكررة مصحوبة بالغضب والانفعال. وتتركز هذه الأفكار
في الغالب حول الجسد أو أحد أعضائه الداخلية، حيث يعتقد المريض بوجود خلل
خطير أو تغير مرضي لا يستند إلى أساس طبي.
وأي محاولة من المحيطين به لتفنيد هذه الأفكار أو التقليل من شأنها تؤدي
غالبًا إلى تصاعد التوتر والانفعال.
-
البارانويا الزوجية
يقتصر الوهم في هذا النوع على العلاقة الزوجية، حيث يبدأ الأمر
غالبًا بانتقادات متكررة للشريك، ثم يتحول تدريجيًا إلى شكوك متزايدة، إلى أن
يستقر في صورة اعتقاد راسخ بالخيانة أو عدم الإخلاص.
وبناءً على هذه القناعة، قد يصدر عن المريض سلوكيات تتوافق مع الوهم، مثل
المراقبة المستمرة، أو الاتهام، أو التصعيد الانفعالي، وهو ما يؤدي في كثير من
الحالات إلى تدهور شديد في العلاقة الزوجية.
- البارانويا القضائية
يتسم هذا النمط باعتقاد ثابت لدى المريض بأنه تعرض لظلم قانوني، أو
أن حقوقه قد انتُهكت، أو أن الأحكام القضائية الصادرة بحقه غير عادلة. ونتيجة
لذلك، ينخرط في سلسلة متكررة من الإجراءات القانونية والدعاوى القضائية،
مدفوعًا بقناعة راسخة بأنه يسعى إلى استعادة حق مشروع.
البارانويا
المشتركة (Folie à Deux)
تُعد البارانويا المشتركة، المعروفة اصطلاحًا باسم Folie à Deux،
من أندر الاضطرابات الذهانية في الطب النفسي،
تظهر هذه الاضطرابات عندما ينقل شخص يعاني أصلًا من بارانويا، غالبًا من النوع الاضطهادي،
أوهامه إلى فرد آخر تربطه به علاقة وثيقة، عبر تأثير إيحائي قوي. يكون الطرف الأول
مسيطرًا وأوهامه ثابتة، بينما يكون الطرف الثاني تابعًا وأوهامه أقل رسوخًا وقابلة
للزوال. غالبًا ما تختفي الأعراض لدى الطرف التابع بعد الفصل بينهما لفترة زمنية كافية.
تُعرف هذه الحالة طبيًا باسم Folie، وعندما تقتصر على شخصين تُسمى Folie à Deux،
وقد تمتد نادرًا لتشمل أكثر من شخص.
الآلية النفسية لانتقال الوهم
يحدث انتقال الأوهام عادة في سياق:
- علاقة عاطفية أو
أسرية شديدة القرب
- عزلة اجتماعية
عن المحيط الخارجي
- اعتماد نفسي أو
مادي أو انفعالي واضح للطرف التابع
- هيمنة فكرية
وعاطفية للشخص المسيطر
العامل الحاسم في تشخيص البارانويا المشتركة هو زوال الأعراض لدى الشخص
التابع بعد الفصل الجسدي أو النفسي عن الشخص المسيطر.
وهذه الخاصية تُعد مفتاحًا تشخيصيًا وعلاجيًا في آنٍ واحد، إذ تشير إلى أن
الذهان لدى الطرف التابع مُستحث وليس بنيويًا.
ورغم شيوع مصطلح Folie à Deux، فقد وُصفت أشكال أخرى بحسب عدد
المشاركين:
- Folie à Deux: شخصان
- Folie à Trois: ثلاثة أشخاص
- Folie à Quatre وما فوق
وقد سُجلت في الأدبيات الطبية حالات نادرة للغاية شملت أكثر من أربعة أفراد
داخل عائلة واحدة تعيش في عزلة اجتماعية تامة. وأول وصف علمي ممنهج للحالة
قدّمه:
Lasègue & Falret
(1877) حيث أوضحا أن العامل الحاسم ليس نوع الوهم، بل العلاقة
النفسية غير المتوازنة، والعزلة الاجتماعية، والتأثير الإيحائي المستمر.
3 - الاضطرابات البارانوية الحادة
تتميز ببداية مفاجئة للأوهام على خلفية نفسية شبه طبيعية، وتميل إلى التحسن
أو الزوال خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر. تظهر هذه الحالات بشكل شائع لدى الأفراد
الذين يمرون بظروف اغتراب اجتماعي شديد، مثل المهاجرين، وكذلك بين السجناء، خاصة
في حالات العزلة الطويلة.
-4 الاضطرابات البارانوية غير النموذجية
تشمل حالات لا تستوفي المعايير الكاملة للبارانويا الكلاسيكية، وتظهر بصورة
حادة، ومن أبرزها:
- أموك (Amok): نوبات عنف
اندفاعية نادرة مصحوبة بأوهام بارانوية، يعقبها فقدان للذاكرة.
- الفودو (Voodoo): اعتقاد راسخ
بالتعرض للعنة قاتلة يؤدي إلى إنهاك جسدي شديد قد ينتهي بالوفاة.
- حالة بورتوريكو: أوهام غيرة
واضطهاد تدفع إلى سلوكيات عنيفة تجاه الآخرين أو الذات.
-5 حالات بارانوية أخرى
قد تظهر الأعراض البارانوية ضمن اضطرابات نفسية وعقلية متعددة، مثل
الشيزوفرينيا البارانويدية، الاكتئاب، الهوس، والاضطرابات العضوية. ويعتمد التفريق
التشخيصي على استمرار الأوهام مع احتفاظ نسبي بتماسك الشخصية، وغياب الأعراض
الأساسية التي تميز الاضطرابات الأخرى، كالتفكك الفكري في الشيزوفرينيا، أو
التغيرات المزاجية الحادة في الهوس، أو التدهور المعرفي في الاضطرابات العضوية.
مصير الحالات البارانوية
يختلف الباحثون حول اعتبار البارانويا اضطرابًا مستقلًا أو عرضًا ضمن
اضطرابات أخرى، مما يجعل تحديد مآلها أمرًا معقدًا. كما يتفاوت المصير تبعًا لشدة
الأعراض، وتأثيرها الاجتماعي، ومدى لجوء المصابين للعلاج، إذ تبقى كثير من الحالات
غير مشخصة أو غير متابَعة علاجيًا.
المراجع (APA)
كمال، علي. (1986). فصام العقل او الشيزوفرينيا.
المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
American Psychiatric Association. (2022). DSM-5-TR:
Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.).
Bleuler, E. (1950). Dementia Praecox or the Group of
Schizophrenias. International Universities Press.
Kraepelin, E. (1919). Dementia Praecox and
Paraphrenia. Livingstone.
Freud, S. (1911). Psycho-analytic notes on an
autobiographical account of a case of paranoia. Standard Edition, 12.
