تصنيف الشيزوفرينيا: قديمًا وحديثًا
مقدمة: حين كان الجنون اسمًا واحدًا لكل ما لا يُفهم
قبل أن تظهر الشيزوفرينيا كمفهوم طبي مستقل، كان
الاضطراب العقلي يُنظر إليه بوصفه حالة واحدة جامعة، تُطلق على كل من خرج عن
المألوف في الفكر أو السلوك داخل مجتمعه. لم يكن السؤال آنذاك: ما نوع
المرض؟ بل: لماذا يختلف هذا الشخص؟
ومع تطور الفكر الطبي والفلسفي، بدأت المحاولات الأولى لتفكيك هذا
“الجنون” إلى أنماط، وهي المحاولات التي شكّلت الأساس البعيد لما نعرفه اليوم باسم
الشيزوفرينيا.
التصنيف في الطب القديم: من أبقراط إلى ابن سينا
أبقراط: البدايات الإغريقية
في الحضارة الإغريقية، خصوصًا مع أبقراط (460–370
ق.م)، ظهر أول تمييز منهجي بين الاضطرابات العقلية. قُسّمت الحالات إلى أصناف مثل:
- الملنخوليا
- المانيا
- البارانويا
ورغم أن مصطلح الشيزوفرينيا لم يكن موجودًا، فإن
وصف بعض حالات الملنخوليا والبارانويا يتطابق بشكل لافت مع ما نصفه اليوم بالأعراض
الذهانية.
الطب العربي الإسلامي: إضافة العمق
السريري
لم يكتفِ الأطباء العرب بنقل التصنيفات
الإغريقية، بل أعادوا صياغتها وأضافوا إليها ملاحظات سريرية دقيقة.
- أبو
بكر الرازي (865–925م) فرّق
بوضوح بين الاضطرابات العقلية العضوية والوظيفية، ووصف حالات تتسم باضطراب
الفكر، والانفصال عن الواقع، وتبدل السلوك، وهي أوصاف قريبة جدًا من الذهان.
- ابن
سينا (980–1037م) قدّم في القانون
في الطب تحليلات دقيقة لحالات الهذيان، واضطراب الإدراك، وتفكك التفكير،
وربطها أحيانًا بمسار زمني للمرض، وهو ما يُعد نواة لفكرة “المسيرة المرضية”.
ولهذا يرى بعض الباحثين المعاصرين أن تصنيفات
الطب العربي كانت، من حيث العمق والوصف، أقرب إلى التصنيفات الحديثة مما نُسب لها
تقليديًا.
القرن التاسع عشر: ولادة المفهوم الحديث
موريل والخرف المبكر
في عام 1856 استخدم
الطبيب الفرنسي موريل مصطلح الخرف المبكر (Démence Précoce) لوصف
حالات تبدأ في سن مبكرة وتنتهي بتدهور عقلي واضح. كانت هذه أول محاولة لربط العمر
المبكر بالمسار التدهوري للاضطراب.
كالبوم Kahlbaum والبارانويا
في 1863 أضاف كالباوم:
- البارانويا بوصفها
نمطًا يتمحور حول الأوهام
- ولاحقًا
وصف الكاتاتونيا كحالة تتسم بجمود الحركة وسكون الكلام
هكر Hecker
والهبفرينيا
عام 1870 قدّم هكر مفهوم الهِبفرينيا (ذهان
الشباب)، وهو اضطراب يبدأ في سن البلوغ ويتسم بتدهور الشخصية والتفكك العاطفي
والمعرفي.
كريبلاين Kraeplin وتوحيد
الأنماط تحت مظلة واحدة
في 1896 قام إميل كريبلاين بخطوة مفصلية حين جمع:
- البارانويا
- الكاتاتونيا
- الهبفرينيا
تحت تشخيص واحد سماه الخرف المبكر،
معتبرًا أن ما يجمع هذه الحالات هو المسار الزمني والمصير التدهوري، لا مجرد
الأعراض الظاهرة.
ديم Diem
والخرف المبكر البسيط
وفي 1903 أضيف نمط رابع هو الخرف المبكر البسيط،
الذي يتميز بالانسحاب، وقلة الدافعية، وضعف الإرادة دون أعراض ذهانية صارخة.
بلولر: من الخرف إلى الانفصام
ظهور مصطلح الشيزوفرينيا
كان أوجين بلولر أول من استخدم مصطلح الشيزوفرينيا،
معترضًا على فكرة “الخرف الحتمي”. رأى بلولر أن:
- المرض
ليس كيانًا واحدًا
- بل
مجموعة اضطرابات (Schizophrenias)
- ولا
يؤدي بالضرورة إلى تدهور عقلي دائم
استبقى بلولر الأنماط الأربعة:
- الشيزوفرينيا
البارانويه
- الهيبفرينية
- الكاتاتونية
- الشيزوفرينيا
البسيطة
لكنّه غيّر الفلسفة الكامنة خلف التصنيف من نهاية
محتومة إلى طيف مرضي متنوع.
إشكالية التصنيف: لماذا كل هذا الخلاف؟
رغم أهمية هذه التصنيفات، واجهت اعتراضات جوهرية،
أبرزها:
- المريض
الواحد قد ينتقل بين أكثر من نمط خلال مسيرته المرضية
- تداخل
الأعراض بين الأنماط المختلفة
- غياب
تعريف سببي واضح للمرض حتى اليوم
ولهذا ذهب بعض الباحثين – خاصة في النقد
الاجتماعي والطبي – إلى التشكيك في مفهوم الشيزوفرينيا نفسه، واعتباره بناءً
تشخيصيًا يخدم أغراضًا طبية أو اجتماعية أو سياسية أكثر من كونه مرضًا محدد
المعالم.
لماذا ما
زال التصنيف مهمًا؟
رغم كل
الاعتراضات، يبقى للتصنيف فائدة عملية:
- يسهل
التواصل بين الأطباء
- يعطي
تصورًا مبدئيًا لمسار المرض
- يساعد في
البحث العلمي وبناء الفرضيات
وربما
الأهم: أن محاولة التصنيف، حتى لو كانت غير مكتملة، هي الطريق لفهمٍ أعمق للاضطراب.
التصنيف لم ينتهِ بعد
تصنيف
الشيزوفرينيا ليس قصة انتهت، بل مسار مفتوح على احتمالات متعددة. فإلى جانب
التصنيفات التاريخية والكلاسيكية، ظهرت تصنيفات أخرى تعتمد على:
- العلماء
والمدارس النظرية
- المظاهر
السلوكية
- نوع
الأعراض (إيجابية، سلبية، معرفية)
وكل
تصنيف منها يفتح زاوية مختلفة للفهم…
لتعرف المزيد أقرأ تصنيف
الشيزوفرينيا بحسب العلماء، أو الأعراض، أو الأنماط السلوكية .
