كيف يضللنا القلق في تقدير الاحتمالات

وفاء عبدالله
الصفحة الرئيسية

 

كيف يضللنا القلق في تقدير الاحتمالات


كيف يضللنا القلق في تقدير الاحتمالات


تخيل أن شخصًا تعرفه استيقظ في منتصف الليل ليكتشف أن سيارته، التي كانت متوقفة أمام منزله، قد سُرقت.

موقف كهذا قد يترك أثرًا أكبر مما نتوقع. فإذا كنت تملك سيارة، قد تبدأ في النظر إلى سيارتك بطريقة مختلفة. ربما تقول لنفسك: إذا سُرقت سيارة شخص أعرفه، فمن الممكن أن تُسرق سيارتي أيضًا.

وهذا ما حدث معي بالفعل.

بعد أن سُرقت سيارة أحد أقاربي أثناء الليل، بدأت أشعر بالخوف على سيارتي. لم يعد السؤال في ذهني: «هل يمكن أن تُسرق سيارتي؟» بل تحوّل، بطريقة غير ملحوظة، إلى: ماذا لو كانت سيارتي هي التالية؟

ثم جاء الحل الذي يبدو منطقيًا جدًا عندما نشعر بالخوف: التأمين.

فكرت أن الحصول على تأمين شامل سيحميني من الخسارة إذا سُرقت السيارة، وأن وجود التعويض سيجعل الأمر أقل سوءًا. وهذا حل عملي في حد ذاته، لكنني أدركت لاحقًا أنني كنت أتعامل مع السرقة وكأنها أمر قريب جدًا من الحدوث، لمجرد أن حادثة مشابهة وقعت لشخص أعرفه.

وهنا يمكن أن نجرب تمرينًا بسيطًا في التفكير الاحتمالي.

فنية الاحتمالات في سلسلة الاحداث  

فنية الاحتمالات في التسلسل (ليهي ،2017)

هي فنية تقوم على تقدير مدى احتمال حدوث الفكرة أو النتيجة التي نتوقعها، من 1 إلى 100، بدل التعامل معها كحقيقة مؤكدة. تساعد على رؤية الحدث بشكل أكثر واقعية وتقليل التوقعات السلبية أو الكارثية.

بدلًا من أن أقول: «سيارتي ستُسرق»، أسأل نفسي:

من صفر إلى 100، ما احتمال أن تُسرق سيارتي فعلًا؟

قبل أن أتوقف وأفكر، ربما كان عقلي يتعامل مع الاحتمال وكأنه 100%. فالحدث وقع لشخص أعرفه، وبالتالي بدا لي أنني قد أكون التالية.

لكن عندما بدأت أبحث عن الأدلة، ظهرت أسئلة أخرى:

كم سيارة سُرقت فعلًا في الحي؟

هل حدثت سرقات سيارات مؤخرًا؟

هل المنطقة التي أعيش فيها تشهد هذا النوع من الجرائم باستمرار؟

هل توجد مؤشرات تجعل سيارتي تحديدًا أكثر عرضة للسرقة؟

وهل معرفتي بحادثة واحدة تعني أن احتمال تكرارها معي مرتفع؟

عندما فكرت بهذه الطريقة، تغير تقديري. لم يعد الأمر يبدو كأنه احتمال مؤكد، بل أصبح في ذهني احتمالًا منخفضًا؛ ربما  5% كتقدير شخصي تقريبي، وليس بوصفه رقمًا إحصائيًا حقيقيًا.

وهنا حدث شيء مهم.

السيارة لم تتغير. والشارع لم يتغير. وما حدث في العالم الخارجي لم يتغير. الذي تغير هو تقديري للخطر.

وهذه فكرة مهمة في فهم القلق: أحيانًا لا نحتاج إلى تغيير الواقع حتى نشعر بشكل مختلف تجاهه؛ يكفي أن نعيد تقييم الطريقة التي نفسر بها الواقع.

فالقلق قد يأخذ حدثًا حقيقيًا واحدًا ويستخدمه وكأنه دليل على المستقبل كله. إذا سُرقت سيارة شخص نعرفه، يصبح من السهل أن نفكر: إذن يمكن أن تُسرق سيارتي.

وهذه الجملة صحيحة ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول من:

يمكن أن يحدث   إلى: سيحدث.

وهذا الفرق البسيط هو ما يساعدنا التفكير الاحتمالي على رؤيته بوضوح.

مغالطة الاقتران

هناك خطأ آخر قد يقع فيه العقل عندما يبدأ ببناء سيناريوهات مستقبلية، وهو ما يُعرف في علم النفس المعرفي باسم مغالطة الاقتران.(دانيال،2014)

عندما نضيف أحداثًا وشروطًا متعددة إلى قصة واحدة، قد تبدو القصة أكثر إقناعًا لأنها أصبحت أكثر تفصيلًا، لكن زيادة التفاصيل لا تعني بالضرورة زيادة الاحتمال.

فعبارة: ستُسرق سيارتي

أما عبارة:

ستُسرق سيارتي، ولن يعوضني التأمين، ولن أستطيع شراء سيارة أخرى، وسأواجه أزمة مالية

فهي تتطلب وقوع عدة أحداث معًا.

ومن الناحية الاحتمالية، فإن احتمال اجتماع عدة أحداث لا يكون أعلى من احتمال وقوع أي حدث منها بمفرده.

وهنا قد يفاجئنا العقل مرة أخرى؛ لأنه لا يتعامل دائمًا مع الاحتمالات بالطريقة التي يتعامل معها عالم الإحصاء.

نحن نتأثر بما نراه ونسمعه ونتذكره. حادثة مخيفة وقعت لشخص نعرفه قد تصبح أكثر حضورًا في أذهاننا من آلاف السيارات التي لم تُسرق.

ولهذا قد نشعر أحيانًا بأن الخطر قريب، فقط لأنه أصبح متاحًا جدًا في ذاكرتنا.

نسمع عن شخص سُرقت سيارته فنفكر في سيارتنا.

نسمع عن شخص أُصيب بمرض فنفكر في صحتنا.

نسمع عن شخص خسر وظيفته فنبدأ في القلق بشأن وظيفتنا.

القصة تجعل الخطر يبدو قريبًا، لكن قرب القصة من ذاكرتنا لا يعني أن احتمال حدوثها لنا قد ارتفع بالضرورة.

وهنا تكمن إحدى فوائد التفكير الاحتمالي: أن نتعلم التمييز بين إمكانية حدوث الشيء، واحتمال حدوثه فعلًا.

 

 

المراجع

 

ليهي، روبرت آخرون. (2017). فنيات العلاج المعرفي: دليل الممارسين). ترجمة: شواش، تيسير؛ هاشم، احمد ؛ والعرجان، سامي). دار الفكر

 

دانيال كانمان، (2014). التفكير السريع البطيء. (شيماء الريدي ومحمد طنطاوي، مترجمون). مؤسسة الهنداوي. (العمل الأصلي نشر في 2011)



google-playkhamsatmostaqltradent