التفكير الكارثي لا يحتاج إلى حدث كارثي
أحيانًا لا يحتاج القلق إلى وجود خطر حقيقي؛ فقد
تبدأ القصة كلها من موقف بسيط أو فكرة عابرة، ثم يأخذها العقل إلى أسوأ
الاحتمالات.قد تصل رسالة ولا يرد صاحبها، فيظهر
التفكير الكارثي :
»لماذا لم يرد؟ هل حدث له شيء؟ ربما تعرض لحادث…
ماذا لو مات؟«
وقد يشعر الشخص بألم بسيط في صدره، فينتقل ذهنه
سريعًا إلى:
»هذا ليس ألمًا عاديًا… ربما لدي مشكلة خطيرة…
ماذا لو كانت أزمة قلبية؟«
ما هو التفكير الكارثي؟
التفكير الكارثي هو نمط من التفكير
يميل فيه الشخص إلى توقع أسوأ نتيجة ممكنة ممكن ان تحصل.
المشكلة ليست في أن الإنسان يفكر في
احتمال سيئ؛ فهذا طبيعي ومفيد أحيانًا. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاحتمال إلى يقين،
وتأتي الأفكار بشكل مستمر تدفع الشخص أحيانا للقيام بسلوكيات قلقه
»قد يحدث شيء سيئ« تتحول إلى:
«سيحدث شيء سيئ«
ثم إلى: «وسيكون الأمر كارثيًا، ولن أستطيع
التعامل معه«
وهنا لا يكتفي العقل بتوقع الخطر، بل
يضخم أيضًا حجمه ويقلل من قدرة الشخص على التعامل معها.
ولهذا يمكن النظر إلى التفكير
الكارثي باعتباره يتضمن جانبين مهمين:
1.
المبالغة في احتمال حدوث النتيجة
السلبية.
2.
المبالغة في سوء النتيجة إذا حدثت،
والتقليل من القدرة على التعامل معها.
كيف يعالج التفكير الكارثي في العلاج المعرفي السلوكي؟
لا يحاول العلاج المعرفي السلوكي إقناع الشخص بأن
(كل شيء سيكون بخير)
الهدف العلاج هنا هو الوصول إلى تفسير أكثر توازنًا.
(قد يحدث
شيء سيئ، لكن ليس هناك دليل على أنه سيحدث فعلًا. وحتى لو حدثت مشكلة، يمكنني
التعامل معها.)
كيف نتعامل مع التفكير الكارثي؟ (الفنيات
المستخدمة للتعامل مع التفكير الكارثي)
عزيزي/تي القارئ هنا شخصية افتراضية اسمه سامي
يعاني من تفكير كارثي وكيف يتم حلها
|
1. تحديد الفكرة التلقائية *
الفكرة
التلقائية هي فكرة أو تفسير يظهر في ذهن الشخص بسرعة الان تخيل أن سامي في العمل، وفجأة تصله رسالة
من مديره تقول: أحتاج أن أتحدث معك غدًا. سامي لديه نمط من التفكير الكارثي، لذلك تبدأ
الأفكار في رأسه مباشرة: »أكيد فيه
مشكلة في شغلي... يمكن سويت خطأ كبير... يمكن المدير ناوي يطردني... وإذا طردني،
كيف بدفع التزاماتي؟ يمكن ما ألقى وظيفة ثانية... بتتراكم عليّ الديون... ويمكن
أخسر بيتي... حياتي كلها بتتدمر.« في ثوانٍ، انتقل سامي من رسالة قصيرة من مديره
إلى تخيل فقدان وظيفته وتراكم الديون وخسارة منزله. ماذا شعر سامي؟ الهدف من هذه الفنية (لأن الفكرة التلقائية هي الحلقة
التي تربط بين الموقف والمشاعر والسلوك.(فنفهم من خلال تفاعل الشخص مع الفكرة |
|
2. تقنية «ماذا لو؟» تساعدك هذه التقنية على الوصول إلى أسوأ ما يخشاه
الفرد، ثم النظر إليه بطريقة أكثر واقعية، بدل ترك الأفكار تتصاعد دون توقف. فسامي وصلته
رسالة من مديره: أحتاج أن
أتحدث معك غدًا بدأ سامي يفكر: سامي: أكيد فيه
مشكلة في شغلي... يمكن بيطردني. هنا يبدأ بسؤال نفسه: ماذا لو طردني؟ سامي: بخسر وظيفتي. وماذا لو خسرت وظيفتك؟ سامي: ما راح أقدر
أدفع التزاماتي. وماذا لو ما قدرت تدفع التزاماتك؟ سامي: بتتراكم عليّ
الديون. وماذا لو تراكمت الديون؟ سامي: بأواجه مشكلة
كبيرة. هنا يتوقف سامي عن متابعة سلسلة أسوأ
الاحتمالات، وينتقل إلى سؤال أكثر فائدة: وماذا ستفعل لو واجهت هذه المشكلة؟ سامي: بأبحث عن
وظيفة جديدة، وأتواصل مع البنك وأرتب التزاماتي، وأطلب المساعدة من الأشخاص اللي
أثق فيهم. وهل ستكون هذه المشكلة صعبة؟ سامي: نعم، بتكون
صعبة ومزعجة. وهل تعني أنها نهاية حياتك؟ سامي: لا، بتكون
فترة صعبة، لكن أقدر أتعامل معها وأبحث عن حلول. الهدف من الفنية: إدراك أن حدوث مشكلة لا يعني
بالضرورة حدوث كارثة، وأنه حتى لو واجه نتيجة صعبة، فهذا لا يعني أنه عاجز عن
التعامل معها. |
|
3. إزالة الكارثة: تساعدك هذه الفنية على التوقف عن النظر إلى أسوأ
احتمال وكأنه النتيجة المؤكدة، ومحاولة رؤية الموقف بحجمه الحقيقي. نعود إلى
مثال سامي. وصلته رسالة
من مديره: أحتاج أن
أتحدث معك غدًا. وبدأ يفكر: سامي: أكيد فيه
مشكلة في شغلي... يمكن بيطردني. وإذا طردني، بخسر وظيفتي، وبتتراكم عليّ الديون،
وحياتي كلها بتتدمر. هنا يتوقف سامي ويسأل نفسه: ما أسوأ شيء يمكن أن يحدث؟ سامي: أن أفقد
وظيفتي. وما أفضل شيء يمكن أن يحدث؟ سامي: يمكن أن يكون
المدير يريد أن يمدح عملي، أو يعرض عليّ مهمة جديدة. وما الشيء الأكثر احتمالًا أن يحدث؟ سامي: ما أعرف حتى
الآن. ممكن تكون هناك مشكلة بسيطة في العمل، وممكن يكون الموضوع متعلقًا بشيء
آخر تمامًا. ثم يسأل نفسه: إذا حدث أسوأ احتمال فعلًا، هل سأكون عاجزًا
تمامًا عن التعامل معه؟ سامي: لا. بيكون
الأمر صعبًا، لكن أقدر أبحث عن وظيفة جديدة، وأرتب التزاماتي، وأطلب المساعدة
إذا احتجت إليها. بهذه الطريقة، ينتقل سامي من: ستحدث كارثة وستتدمر حياتي. إلى فكرة أكثر واقعية: أنا لا أعرف حتى الآن سبب حديث المدير معي.
وحتى لو واجهت مشكلة حقيقية، فهذا لا يعني أن حياتي ستتدمر؛ يمكنني البحث عن
حلول والتعامل معها.» |
|
4. إعادة تقييم الفكرة بعد أن تتوقف عن تصديق الفكرة الكارثية مباشرة،
حاول أن تنظر إليها مرة أخرى وتسأل نفسك: هل هذه الفكرة دقيقة فعلًا؟ نعود إلى
مثال سامي: وصلته رسالة
من مديره: أحتاج أن
أتحدث معك غدًا. فكر سامي: أكيد فيه مشكلة في شغلي، ويمكن بيطردني. هنا يبدأ بإعادة تقييم الفكرة: ما الدليل على أن المدير سيطردني؟ لا يوجد دليل واضح، هو فقط طلب أن يتحدث معي هل هناك تفسيرات أخرى؟ ربما يريد مناقشة مشروع، أو إعطائي ملاحظة، أو
حتى تكليفي بمهمة جديدة. هل حدث أن طلب مني الحديث ثم انتهى الأمر بشكل
سيئ؟ لا، سبق أن طلب مني الحديث أكثر من مرة ولم
يحدث شيء خطير. بعد ذلك يعيد سامي صياغة فكرته: بدلًا من: أكيد سأُطرد، وحياتي ستتدمر. يمكن أن يقول: لا أعرف سبب الحديث حتى الآن. ربما توجد مشكلة،
لكن لا يوجد دليل على أنني سأُطرد. من الأفضل أن أنتظر وأعرف ما الذي يريده
مديري بدل أن أفترض أسوأ شيء. وهنا لا يحاول سامي استبدال فكرة سلبية
بفكرة إيجابية بشكل مصطنع، وإنما يبحث عن فكرة أكثر واقعية ومتوازنة. الفكرة الأساسية: |
المراجع
جوديث، بيك. (2007). العلاج المعرفي؛ الأسس والأبعاد.
(طلعت مطر مترجم) المركز القومي للترجمة. (العمل الأصلي نشر في 1995).
ليهي، روبرت آخرون. (2017). فنيات
العلاج المعرفي: دليل الممارسين). ترجمة: شواش، تيسير؛ هاشم، احمد ؛
والعرجان، سامي). دار الفكر
