هل تنتحر الحيوانات كما يفعل الإنسان؟
عندما نسمع كلمة «انتحار»، فإننا نفكر مباشرة في
الإنسان؛ في فعل يؤدي إلى الموت، وفي نية أو قصد يرتبط بهذا الفعل. لكن ماذا يحدث
عندما نرى حيوانًا يقوم بسلوك ينتهي بموته؟ هل يمكن أن نسمي ذلك انتحارًا؟ أم أننا
نُسقط مفهومًا نفسيًا بشريًا على كائن لا نستطيع الوصول إلى دوافعه الداخلية
بالطريقة نفسها التي نستطيع بها دراسة الإنسان؟
عندما بدا سلوك الحيوان كأنه انتحار
في عام 1845، نشرت صحيفة The Satirist قصة عن
كلب من سلالة نيوفاوندلاند قيل إنه انتحر بإغراق نفسه في نهر في هولمفيرث،
يوركشاير. ووفقًا للرواية، كان الكلب يُسحب من الماء مرارًا، لكنه ما إن يُترك حتى
يعود إليه، إلى أن أبقى رأسه تحت الماء بصورة مستمرة حتى مات.
بعد سنوات، أعاد عالم الطبيعة إدوارد جيسي رواية
الحادثة بالتفصيل في كتابه Anecdotes of Dogs الصادر عام 1858، ورأى أن تكرار
الكلب لمحاولاته يمثل دليلًا على امتلاكه نوعًا من الإدراك والقدرة على القصد
والتخطيط. وهكذا لم يُنظر إلى سلوك الحيوان باعتباره مجرد استجابة بيولوجية، بل
قُرئ من خلال مفهوم إنساني هو «الانتحار».
وهذا ينطبق أيضًا على قصة العقرب الشهيرة.
العقرب الذي قتل نفسه
في عام 1874، روى أحد مراسلي مجلة Nature تجربة
استخدم فيها عدسة لتركيز ضوء الشمس على عقرب موضوع داخل صندوق زجاجي. ووفقًا
للرواية، بدأ العقرب في الركض بعنف داخل الصندوق، ثم، بعد تكرار التجربة، رفع ذيله
وغرز إبرته في ظهره، ومات بعد وقت قصير.
وفي عام 1879، ادعى عالم التشريح ألين طومسون أنه
نجح في تكرار التجربة، وفسر السلوك باعتباره نتيجة للإثارة الشديدة التي أحدثها
الضوء، إلى درجة وصفها بأنها دفعت الحيوان إلى قتل نفسه.
من الممكن أن يندفع حيوان، تحت تأثير الألم أو
الحرارة أو المرض أو الهياج، إلى سلوك حركي شديد ينتهي بموته. لكن السلوك الذي
يؤدي إلى الموت ليس بالضرورة سلوكًا انتحاريًا بالمعنى الذي نستخدمه في علم النفس
عند دراسة الإنسان.
الليمينغ: والانتحار الجماعي؟
أصبح هذا الحيوان موضع اهتمام علماء الأحياء منذ
القرن التاسع عشر بسبب ما ارتبط به من روايات عن تحركات جماعية تنتهي بالموت.
عندما ترتفع أعداد الليمينغ بصورة كبيرة، قد
تتحرك أعداد ضخمة منها بحثًا عن الغذاء والموارد. وقد شوهدت هذه الحيوانات وهي
تتحرك بعيدًا عن موائلها، وتعبر مناطق خطرة، بل وتدخل المياه وتسبح لمسافات قد
تنتهي بغرق بعضها.
وبسبب هذه المشاهد، صُوّر الليمينغ طويلًا على
أنه حيوان «ينتحر جماعيًا»، أو أنه يتحرك بصورة عمياء نحو الموت
من الحيوان إلى الإنسان
لم يكن الجدل حول انتحار الحيوانات منفصلًا
تمامًا عن الجدل حول طبيعة الانتحار لدى الإنسان.
إذا عرّفنا الانتحار تعريفًا يتضمن القصد
الواعي إلى إنهاء الحياة مع إدراك أن السلوك سيؤدي إلى الموت، فإن إثبات
الانتحار لدى الحيوانات يصبح شديد الصعوبة؛ لأننا لا نستطيع الوصول مباشرة إلى نية
الحيوان أو أفكاره حول الموت.
أما إذا استخدمنا تعريفًا أوسع، مثل «السلوك
التدميري للذات الذي يؤدي إلى الموت»، فسنجد بالفعل الكثير من أوجه التشابه بين
الإنسان والحيوان.
في عام 1936، ترأس المحلل النفسي زيلبورغ لجنة
لدراسة الانتحار، وكان يرى أن تفسير الانتحار باعتباره مجرد «غريزة موت» غير كافٍ.
كما رفض حصر الانتحار في المجتمعات الحديثة، وأشار إلى وجود أشكال من السلوك
المؤذي للذات لدى جماعات بشرية قديمة مختلفة، بل واستشهد بحالات لدى الحيوانات،
مثل الحيوانات التي قد تمتنع عن الطعام بعد تعرضها لسوء المعاملة.
وكانت هذه الرؤية تحاول نقل الانتحار من كونه
فعلًا عقلانيًا مخططًا بالكامل إلى ظاهرة يمكن أن تشارك فيها دوافع لاواعية
وانفعالية وغريزي
المراجع
الحسيني، احمد حماد. (2017). هجرة الحيوانات. مؤسسة
هنداوي.
Ramsden, E., & Wilson, D. (2014).
The Suicidal Animal: Science and the Nature of Self-Destruction. Past
& Present, 224(1), 201–242.
https://doi.org/10.1093/pastj/gtu015
Jesse, E. (1858). Anecdotes of
Dogs. London: H. G. Bohn.
Bidie, G. (1874). Suicide of a
scorpion. Nature, 11, 29. https://doi.org/10.1038/011029b0
.jpg)