التكرار والشعور بالألفة: لماذا يبدو الشيء مألوفًا كلما تكرر أمامنا؟
تخيل أنك تقرأ اسمًا لشخص لم تسمع به من قبل: دانيال كروفت. لا تعرف من هو، ولا تعرف أين يعيش، ولا تملك عنه
أي معلومة. بالنسبة لك، الاسم مجرد مجموعة من الكلمات.
لكن ماذا لو ظهر الاسم أمامك مرة أخرى غدًا؟ ثم
بعد يومين صادفته في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي؟ ثم رأيته مرة ثالثة في
تعليق؟
بعد فترة، عندما ترى الاسم مرة أخرى، لن يبدو
غريبًا كما كان في المرة الأولى.
قد تقول لنفسك:
أعتقد أنني أعرف هذا الاسم.
لكن إذا سألت نفسك: أين رأيته؟ ومتى؟ ومن هو
دانيال كروفت؟
قد لا تجد إجابة.
فأنت لا تتذكر الشخص، ولا تتذكر بالضرورة المكان
الذي رأيت فيه الاسم، لكنك تشعر بأن الاسم مألوف.
الشعور
بالألفة لا يعني بالضرورة أننا نتذكر الشيء.
التكرار
يجعل الأشياء أسهل على العقل
عندما نواجه شيئًا للمرة الأولى، يحتاج العقل إلى
قدر معين من المعالجة حتى يتعرف عليه. لكن التعرض السابق للشيء يمكن أن يجعل
معالجته لاحقًا أسهل وأسرع.
تخيل أنك تقرأ كلمة جديدة تمامًا. في البداية قد
تتوقف قليلًا عندها، لكن عندما تراها مرة أخرى تصبح أكثر سهولة في القراءة والتعرف.
هذا النوع من السهولة يسمى سهولة المعالجة Processing Fluency.
والمثير للاهتمام أن الإنسان لا يلاحظ دائمًا سبب
هذه السهولة ويشعر فقط بأن الشيء أصبح مألوفًا وهنا يمكن أن يحدث خطأ في تفسير الشعور.
الألفة ليست هي التذكر
في علم النفس المعرفي، يُميز الباحثون بين الألفة Familiarity وبين
الاسترجاع Recollection.
الألفة
هي الشعور بأن شيئًا ما سبق أن واجهناه.
أما الاسترجاع فهو
أن نستطيع استحضار تفاصيل عن ذلك الشيء: أين رأيناه، ومتى حدث ذلك، وما الذي كان
يحدث في تلك اللحظة.
يمكنك مثلًا أن ترى وجه شخص في الشارع وتشعر بأنك
تعرفه، لكنك لا تستطيع أن تتذكر أين التقيت به.
هذا شعور بالألفة.
أما إذا قلت: هذا الشخص كان معي في
الجامعة، رأيته الأسبوع الماضي في المكتبة.
فهنا لديك استرجاع لمعلومات مرتبطة بالشخص.
المشكلة أن الألفة قد تبقى موجودة حتى عندما تختفي
التفاصيل التي تفسرها.
قد يبقى في ذهنك: لقد رأيت هذا من قبل
بينما يختفي: أين رأيته؟
وهذا ما يجعل الشعور بالألفة قابلًا لأن يُساء
تفسيره.
تجربة «أن تصبح مشهورًا بين ليلة وضحاها«
أجرى عالم النفس لاري جاكوبي Larry Jacoby وزملاؤه
عام 1989، بعنوان:
Becoming Famous Overnight: Limits
on the Ability to Avoid Unconscious Influences of the Past.
كيف تصبح مشهور بين
عشية وضحاها
في التجربة، تعرض المشاركون لأسماء أشخاص غير
مشهورين. لاحقًا، وبعد مرور فترة من
الزمن، عُرضت عليهم قوائم تحتوي على أسماء أشخاص مشهورين وأسماء أشخاص غير مشهورين
سبق أن رأوها وأسماء أخرى جديدة.
وكانت النتيجة أن المشاركين أصبحوا أكثر ميلًا إلى
الحكم على بعض الأسماء التي سبق أن تعرضوا لها باعتبارها أسماء لأشخاص مشهورين.
لكن هؤلاء الأشخاص لم يصبحوا مشهورين، الذي أصبح
مألوفًا هو الاسم.
أي أننا قد نعرف الاسم دون أن نعرف الشخص،
وقد نشعر أننا نتذكره، بينما ما لدينا في الحقيقة هو مجرد أثر لتعرض سابق له.
وسائل التواصل الاجتماعي تجعل المسألة أكثر وضوحًا
فكر في عدد المرات التي يمكن أن ترى فيها الاسم
نفسه خلال أسبوع واحد. (اسم مشهور، او شخص يتكرر اسمه في إعلانات او
اسم يتعرض عليك كثير، او منتج معين)
قد يظهر لك شخص في مقطع، ثم في منشور، ثم يعاد نشر
كلامه بواسطة شخص آخر، ثم يظهر اسمه في تعليق، ثم تراه مرة أخرى في خبر.
هذا التعرض يتكرر، ومع كل تعرض، يصبح الاسم أقل
غرابة وأكثر سهولة في المعالجة.
وبعد فترة، قد لا تتذكر عدد المرات التي رأيته
فيها أصلًا، لكن عندما يظهر مجددًا، تشعر:
هذا الاسم مألوف.
المراجع
دانيال
كانمان، (2014). التفكير السريع البطيء. (شيماء الريدي ومحمد طنطاوي، مترجمون).
مؤسسة الهنداوي. (العمل الأصلي نشر في 2011)
Jacoby, L. L., Kelley, C. M., Brown,
J., & Jasechko, J. (1989). Becoming famous overnight: Limits on the ability
to avoid unconscious influences of the past. Journal of Personality and
Social Psychology, 56(3), 326–338.
https://doi.org/10.1037/0022-3514.56.3.326
.jpg)