أثر التوقعات في حياتنا

وفاء عبدالله
الصفحة الرئيسية

 

أثر التوقعات في حياتنا



أثر التوقعات في حياتنا


»كل ما تتوقعه يحصل«

كم مرة قرأت أو سمعت هذه الجملة؟

تظهر كثيرًا في علم النفس، وأدبيات «قانون الجذب»، وحتى في بعض الخطابات الدينية التي تدعونا إلى التفاؤل وحسن الظن. لكن هل يمكن فعلًا أن يحدث لنا كل ما نتوقعه؟

التوقع لا يغيّر الواقع بطريقة سحرية، لكنه قد يغيّر سلوكنا تجاه الواقع، وسلوكنا قد يغيّر النتيجة.

نحن نتوقع نجاحنا وفشلنا، ونكوّن توقعات عن الآخرين: «هذا الشخص سيحترمني»، «لن يحبني»، «سيخذلني».

وأحيانًا نتصرف وفق هذه التوقعات بطريقة تجعلها أقرب إلى التحقق.

تخيل شخصًا يعتقد أن الآخرين لا يحبونه. يصبح أكثر تحفظًا، ولا يبادر بالحديث، ويفسر تصرفات الآخرين بصورة سلبية. قد يلاحظ الآخرون هذا البرود، فيبتعدون عنه. في النهاية يقول:

»كنت أعرف أنهم لا يحبونني«

هل توقعه أثّر في سلوكه، وسلوكه أثّر في الآخرين؟

هذه الفكرة تُعرف في علم النفس باسم النبوءة المحققة لذاتها (Self-Fulfilling Prophecy).

أحيانًا نقرر قبل أن نعرف

حتى أحكامنا الأولى على الأشخاص تتأثر بانطباعات سريعة جدًا.

في تجربة لـ ويليس وتودوروف (Willis & Todorov, 2006)، استطاع المشاركون تكوين انطباعات عن وجوه أشخاص غرباء بعد مشاهدة الوجه لمدة 100 مللي ثانية فقط. وفي دراسة أخرى، وجد تودوروف وزملاؤه (2009) أن الناس كوّنوا أحكامًا عن جدارة الشخص بالثقة بعد تعرض قصير جدًا للوجه.

لكن سرعة الحكم لا تعني صحته.

وهنا تكمن المشكلة: قد ندخل موقفًا بتوقع مسبق، ثم نبدأ في البحث عن المعلومات التي تؤيده.

إذا توقعت أن شخصًا سيئ، فقد تلاحظ أخطاءه وتتجاهل سلوكه الجيد. وإذا توقعت أنه جيد، قد تفسر السلوك نفسه بصورة مختلفة.

 

التوقعات لا تؤثر في الأفراد فقط

يمكن أن تظهر الفكرة على مستوى أكبر: في السياسة والاقتصاد والحروب.

الحرب الكورية

في عام 1950، كان الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر يقلل من احتمال تدخل الصين عسكريًا على نطاق واسع، رغم وجود تحذيرات من إمكانية التدخل.

تقدمت قوات الأمم المتحدة نحو نهر يالو، على الحدود الصينية، بينما كانت الصين ترى اقتراب القوات الأمريكية تهديدًا مباشرًا لأمنها.

ثم تدخلت الصين بقوة في أكتوبر ونوفمبر 1950، وقلب تدخلها مسار الحرب.

المثير هنا أن المشكلة لم تكن مجرد توقع خاطئ

التوقع دخل في القرار نفسه.

الاعتقاد بأن الصين لن تتدخل جعل التقدم شمالًا يبدو أقل خطورة، بينما كان هذا التقدم نفسه أحد العوامل التي جعلت الصين أكثر استعدادًا للتدخل.

 

والاقتصاد؟

والأمر أكثر وضوحًا في سحب الأموال من البنوك.

إذا اعتقد الناس أن بنكًا سيفلس، فقد يسارعون إلى سحب أموالهم. وإذا فعل عدد كبير منهم ذلك، قد يواجه البنك أزمة حقيقية.

أي أن:

الخوف من الانهيار قد يساهم أحيانًا في حدوث الانهيار.

وظهر تأثير التوقعات أيضًا خلال جائحة كوفيد-19. ففي بداية انتشار الوباء، ومع الخوف من الإغلاق ونقص الإمدادات، اندفع كثير من الناس إلى شراء وتخزين كميات كبيرة من الطعام والسلع الأساسية تحسبًا لحدوث نقص. ومع تكرار مشاهد الرفوف الفارغة والطوابير، ازداد القلق ودفع مزيدًا من الناس إلى الشراء. وهكذا، لم تكن المخاوف مجرد انعكاس لما يحدث؛ بل ساهم السلوك الناتج عنها أحيانًا في زيادة الضغط المؤقت على سلاسل الإمداد وتوافر بعض السلع.

إذن، هل كل ما نتوقعه يحدث؟

إذا توقعت أن تمطر غدًا، فلن يهطل المطر لأنك توقعته.

لكن عندما يكون للتوقع علاقة بسلوكنا أو بقرارات الآخرين، يصبح أكثر تأثيرًا.

ولهذا يمكن أن يكون السؤال الأهم ليس:

ماذا يجعلني هذا التوقع أفعل؟

عندما أتوقع أنني سأفشل، قد أتوقف عن المحاولة.

عندما أتوقع أن الآخرين سيرفضونني، قد أبتعد عنهم.

عندما أتوقع النجاح، قد أستعد أكثر وأستمر مدة أطول.

وعندما يتوقع قائد عسكري أن خصمه لن يتدخل، قد يتخذ قرارات لم يكن ليتخذها لو كان يتوقع العكس. نحن لا نتحكم في المستقبل بمجرد التفكير فيه.

لكننا نتصرف اليوم بناءً على الصورة التي نملكها عن الغد.وأحيانًا، هذا السلوك هو الذي يجعل المستقبل مختلفًا.

لذلك لا تسأل فقط: ماذا أتوقع؟

اسأل أيضًا:

إلى ماذا يدفعني هذا التوقع؟

فربما لا يكون أخطر ما في توقعاتنا أنها خاطئة...

بل أن نتصرف كما لو أنها صحيحة.

 

 

المراجع

 

 

  • دانيال كانمان، (2014). التفكير السريع البطيء. (شيماء الريدي ومحمد طنطاوي، مترجمون). مؤسسة الهنداوي. (العمل الأصلي نشر في 2011)

·        غير معروف.( 21 أكتوبر 2024). الحرب الكورية. Wikipedi. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9.

 

  • Willis, J., & Todorov, A. (2006). First impressions: Making up your mind after a 100-ms exposure to a face. Psychological Science, 17(7), 592–598.
  • Todorov, A., Pakrashi, M., & Oosterhof, N. N. (2009). Evaluating faces on trustworthiness after minimal time exposure. Social Cognition, 27(6), 813–833.

 









google-playkhamsatmostaqltradent