من هو أندريه أليكسييفيتش أمالريك؟
لم أكن أنوي في البداية أن أغوص في تاريخ الاتحاد السوفيتي، ولا أن أتعرف على تفاصيله السياسية أو الاجتماعية. لكن عندما قرأت كتاب الطريق إلى سيبيريا لم يكن مجرد سرد للأحداث التي حدث آنذاك ، بل تصويرًا دقيقًا للحياة في موسكو وسيبيريا، للقوانين التي كانت تُطبق في ذلك الزمن، ولطبيعة الأرض، وما يُزرع فيها، وكيف كانت تُؤدى الأعمال الشاقة هناك؟ من هو الكُتاب والرسامين الناشئين والمعاصرين الذي تم اعتقالهم؟ ولماذا؟
كما أثار لدي تساؤلات عديدة: لماذا كانت سيبيريا
وجهة دائمة لنفي السجناء؟ وكيف كانت طبيعة الحياة فيها؟
ومن هو أندريه؟ وكيف عاش كل هذه التجربة؟
من هو أندريه أمالريك؟
وُلد أندريه أليكسييفيتش أمالريك في 12 مايو عام
1938 في موسكو، عاصمة الاتحاد السوفيتي. جاء ميلاده في فترة شديدة الاضطراب، خلال
حكم جوزيف ستالين، وهو قائد سوفيتي حكم البلاد بين عامي 1924 و1953، واشتهر
بسياسات القمع السياسي.
نشأ أندريه في عائلة مثقفة؛ كان والده مؤرخًا
ومهتمًا بالوسط الثقافي، اعتُقل والده بسبب انتقاده لستالين، ثم أُفرج عنه لاحقًا
وأُعيد إلى الخدمة العسكرية، ليُصاب عام 1942 في معركة ستالينغراد ويُسرّح من
الجيش بسبب إصابته .
كان أندريه طالبًا كثير الحركة ومتغيبًا عن
المدرسة الثانوية، وعلى الرغم من ذلك، التحق عام 1959 بقسم التاريخ في جامعة موسكو
الحكومية.
وفي عام 1963، قدّم أطروحة أثارت الجدل، حيث رأى
أن المحاربين والتجار الإسكندنافيين (الفايكنغ) واليونانيين لعبوا الدور الرئيسي
في نشأة الدولة الروسية المبكرة، وليس السلاف كما كان يُقرّ رسميًا. رفض أندريه
تعديل آرائه، فتم طرده من الجامعة.
بعد طرده، وجد نفسه دون شهادة جامعية، وفي الوقت
نفسه كان يتحمل مسؤولية رعاية والده الذي كان يعاني من مرض خطير في القلب ويحتاج
إلى عناية مستمرة. كانت والدته تتولى هذه الرعاية في البداية، لكن بعد وفاتها بمرض
السرطان عام 1959، أصبح أندريه المسؤول عنها
بدون شهادة جامعية، كان أندريه يعتني بوالده الذي
أُصيب بمرضٍ استدعى رعاية مستمرة. وفي الوقت نفسه، عمل في وظائف متفرقة؛ فكان
كاتبًا ومترجمًا ومؤلفًا، وكتب خمس مسرحيات لم تُنشر. لكن سرعان ما أصبح تحت أنظار
الشرطة الأمنية بسبب كتاباته، إذ أدت آراؤه واهتمامه بالفن الحديث غير التمثيلي
إلى اعتقاله لأول مرة في مايو عام 1965.
وُجّهت إليه تهمتان: الأولى تتعلق بكتاباته التي
اعتُبرت مخالفة وذات طابع “إباحي”، والثانية تتعلق باعتباره عاطلًا عن العمل،
استنادًا إلى قانون صدر عام 1961 يُعرف بـ«قانون تقوية الكفاح ضد الأفراد الذين
يعيشون حياة مناوئة للمجتمع وعلى هامشه». وبموجب هذا القانون، حكمت عليه محكمة
إدارية بالنفي إلى غرب سيبيريا لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات.
كان لهذا القانون عدة أهداف؛ من بينها القضاء على
البطالة، وتوفير اليد العاملة للمناطق النائية جدًا، فضلًا عن إبعاد العناصر التي
تُعدّ معادية للنظام القائم وتنقية المدن منها.
والتهمة الثالثة تمثلت في استقباله أجانب في
منزله والتعامل معهم، إضافة إلى اقتنائه لوحات لفنانين معاصرين في موسكو. ومن بين
هذه اللوحات أعمال للفنان أناتولي زفريف، وهو رسام روسي يُعد من أبرز ممثلي الفن
غير الرسمي في الاتحاد السوفيتي، تميز بأسلوبه التعبيري الحر ورفضه للقيود الفنية
التي فرضتها الدولة، مما جعله
عرضة للتهميش والملاحقة.
كما امتلك لوحات للفنان نيقولاي ياروشينكو، ومن أشهر
أعماله لوحة الحياة في كل مكان،
اعتُقل أندريه، وتمت محاكمته، حيث قررت
المحكمة—بموجب المادة 228 من القانون الجزائي—إدانته بتهمة نشر “الشعر التصويري
الإباحي”، ليُعتقل على الفور.
نُقل بعد ذلك إلى سجن بوطيرسكايا، وهو سجن شُيّد
على يد المهندس المعماري ماتفي كازاكوف في أواخر القرن الثامن عشر خلال عهد
الإمبراطور إسكندر الأول، وأُعيد ترميمه عام 1789، وكان آنذاك من أهم السجون في
موسكو.
ومن سجن بوطيرسكايا، نُقل إلى سجن سفيردلوفسك، ثم
إلى سجن تومسك، إلى أن تقرر أخيرًا مكان نفيه. وكانت الوجهة سيبيريا، وتحديدًا
منطقة كالينينا، في بلدة غوريافكا.
هناك، يبدأ المنفيون بالبحث عن مساكن داخل
القرية، غير أن الأهالي كانوا يتحاشون إسكانهم. وكانت الحياة في القرية بدائية
للغاية؛ إذ يتجه الناس إلى السد للسباحة أو لغسل الملابس. وكانت القرية تضم نحو
ستين بيتًا، وكل عزبة مبنية ومسيّجة على الطراز الروسي القديم، ومن المعتاد أن
يُزرع بجانب كل منزل البصل والجزر والخيار، مع انتشار واسع لزراعة البطاطا.
أما اللحم، فلم يكن متوفرًا إلا في حالات نادرة،
عندما يأتي طلاب أو عمّال للمساعدة في أعمال “الكولخوز”، وهو نظام زراعي جماعي
تديره الدولة ويعتمد على العمل القسري لسكانه.
كانت الأيقونات موجودة في كل بيت تقريبًا، لكن
الناس لم يكونوا يُبدون اهتمامًا دينيًا حقيقيًا، وكأن الإيمان أصبح أمرًا شكليًا
لا يتجاوز الجدران. كما وُجدت أجهزة راديو في بعض المنازل، ووصلت الكهرباء إلى
البلدة، إلا أن التيار كان ينقطع باستمرار.
في 24 تموز، بدأ أندريه عمله في الكولخوز من
الساعة الثامنة صباحًا، حيث كُلّف بحفر حفرٍ لأعمدة الكهرباء. كان الحفر يتم
باستخدام الرفش، وكان عليه أن يُنجز ثلاث حفر يوميًا، في أجواء حارة، بينما يحيط
به البرغش من كل جانب، نتيجة الطبيعة المستنقعية لسيبيريا.
أما الأجر، فكان يُحسب وفق “وحدات العمل” التي
تُجمع طوال العام؛ إذ تعادل الوحدة نصف كيلوغرام من البطاطا أو 200 غرام من القمح.
وكان على العامل أن يحقق ما لا يقل عن 500 وحدة سنويًا، أي ما يعادل كيسًا من
الحنطة أو ثلاثة أكياس من البطاطا. وكان كل عمود يُعادل وحدة عمل ونصف.
إلى جانب ذلك، شارك أندريه في أعمال متعددة:
تخزين التبن في الأهراء، ورعي العجول والأبقار والخيول، وتنظيفها، ونقل الحبوب
وتنظيفها وتجفيفها، إضافة إلى العمل في المزرعة. وكانت ساعات العمل لا تقل عن عشر
ساعات يوميًا، في ظل نقص حاد في الطعام والملابس.
وللتغلب على الجوع وقلة المساكن، كان من الممكن
أن يعيش الرجل مع امرأة في بيت واحد دون زواج. وكانت حياة الكولخوز قائمة على
التذمر الدائم، إذ كان العمل قسريًا، ولا يُسمح للمنفيين بالمغادرة، كما لم يكن
لهم حق المشاركة في انتخاب المسؤولين أو تقديم الشكاوى.
وكانت حياة النساء هي الأكثر قسوة؛ ففي قرية تضم
اثنين وثلاثين بيتًا، كانت هناك أربع عشرة امرأة يعشن بمفردهن—بعضهن تقدمن في
السن، وبعضهن فقدن أزواجهن أو أبناءهن، أو طُلقن، فيما لم تتزوج أخريات بسبب فقدان
الرجال في الحرب العالمية الثانية.
أما الأطفال، فكان لهم مكانان: “المغارة”، وهي
أشبه بروضة تُفتح صيفًا فقط، والمدرسة الابتدائية التي تستمر حتى في الشتاء.
وفيما يتعلق بأخلاق أهل القرية، فقد كانت
المشاجرات والمشاحنات أمرًا شائعًا بينهم، وكانوا يكرهون المنفيين. وكان يوم واحد
فقط للراحة في الأسبوع، مع إجازة تمتد أسبوعين في السنة.
كانت الحياة مملة وقاسية؛ فالكبار يلجؤون إلى
المشروبات للتخفيف عن أنفسهم، بينما يقضي الشباب—الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و16
عامًا—وقتهم في النادي. ولم يكن بينهم سوى فتاة وثلاثة فتيان تجاوزوا السابعة
عشرة. وكانت أنشطة النادي تقتصر في الصيف على الرقص مساءً، مع عرض فيلم واحد
أسبوعيًا، وغالبًا ما تكون أفلامًا قديمة جدًا.
عمل أندريه لمدة عام كامل، إلى أن وصلته رسالة
تُبلغه بأن والده في حالة صحية خطيرة. وعلى إثر ذلك، حصل على إذن مؤقت للسفر من
أجل رؤيته. لكن حين وصل، كان والده قد توفي في اليوم نفسه الذي استلم فيه البرقية،
وأُقيمت مراسم الدفن دون أن يتمكن من حضورها.
وقبيل عودته مرة أخرى إلى البلدة، تعرّف على
الفتاة جيوزيل، فنشأت بينهما علاقة عاطفية، وسرعان ما عرض عليها الزواج، رغم
معارضة أهلها—وهم من التتار—الذين رفضوا تزويج ابنتهم من روسي. ومع ذلك، تزوجا،
وانتقلت معه إلى البلدة لتشاركه حياة المنفى وتعيش معه تلك التجربة القاسية.
نشأة عائلة والده
(من جهة الجدّ
الأعلى)
تعود أصول عائلة أندريه أمالريك من جهة والده إلى
جدّه الأعلى، جان جان أمالريك، الذي قدم إلى روسيا للعمل، حيث افتتح في
موسكو مصنعًا للصباغة. إلا أنه كان مدمنًا على الكحول، وفي أحد الأيام، وأثناء
حالة سُكر، اندلع حريق في منزله، فالتهمه هو وزوجته والمصنع معًا. ولم ينجُ من هذه
الحادثة سوى ابنه الوحيد، وكان يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا.
كان هذا الابن يُدعى جان أيضًا، ويُعرف
بالروسية باسم ايوان
ايوانوفيتش. وقد تكفلت به الجالية الفرنسية في موسكو واعتنت
به، حتى تبنّاه أحد الفرنسيين. وقبيل وفاة هذا الرجل، أسرّ إليه بسرّ مزج الألوان،
وهو ما مكّنه لاحقًا من أن يصبح من رواد صناعة الطباعة الهندية.
تزوج ايوان ايوانوفيتش من ابنة أحد تجار موسكو، رغم معارضة
عائلتها، إذ قام بخطفها من دير نوفوديفيتش حيث كانت تتابع دراستها. ومن هذا
الزواج وُلد ثلاثة أبناء وفتى، وكان الابن الأكبر يُدعى سيرغي إيفانوفيتش،
وهو جدّ أندريه.
كان هذا الجد ذا ميول اشتراكية، لكنه في الوقت
ذاته كان يكره أفكار كارل ماركس، وقد توفي في نهاية حياته وهو فاقد للبصر. أما
ابنه (والد أندريه)، فقد كان أقل قوة في شخصيته مقارنة بوالده، وأنجب بدوره ابنًا
وحيدًا هو أندريه، الذي استمر هذا النمط العائلي كابن وحيد.
عائلة الأم
أما من جهة الأم، فتنحدر العائلة من أصول
أوكرانية. كانت الجدة تعمل وكيلةً لشركة ضمان، لكن مع اندلاع الاضطرابات والثورات،
تلاشى الاهتمام بالأعمال والتجارة وانتقلت للعمل في مجال المسرح والسينما. وخلال
الحرب الأهلية، كان عمر والد أندريه خمسة عشر عامًا، مما اضطره إلى البحث عن عمل،
فالتحق بالجيش الأحمر.
أُسندت إليه مهام مطاردة اللصوص، والمشاركة في
القضاء على الجماعات الأوكرانية المسلحة. وبعد عام، عادت جدته معه إلى موسكو،
وهناك تلقت برقية تُخبرها بوفاة زوجها.
وبعد معاناة وصعوبات كبيرة، تمكّن والد أندريه من
العثور على عمل في مجال السينما. وفي عام 1928، تزوج من والدته، التي كانت تعمل
مساعدة مخرج، وكانت تكبره بست سنوات ونصف. وفي عام 1938، وُلد أندريه.
حياة والده
في عام 1939، استُدعي والد أندريه إلى الجيش مرة
أخرى. وعندما اقتربت القوات الألمانية من موسكو، صرّح أمام الضباط بأن المسؤول عن
الهزائم التي مُني بها الجيش السوفيتي هو جوزيف ستالين. وفي اليوم التالي، تم اعتقاله
ومحاكمته، ووُضع مع المحكوم عليهم بالإعدام.
كان يعيش في حالة ترقب دائم، إذ كان يشعر في كل
مرة يُنادى فيها على أحد الجنود أن دوره قد حان. لكن، ولحسن حظه، نُقل إلى معسكر
للأسرى في جزيرة ياغرا في البحر الأسود.
ومع احتدام معركة ستالينغراد، وحاجة الجيش
السوفيتي إلى الجنود، أُعيد إلى الخدمة العسكرية عام 1943، حيث تولى قيادة وحدة
عسكرية برتبة كابتن، ثم قاد لاحقًا فوجًا. وفي ربيع عام 1944، أُصيب إصابة بالغة
نتيجة انفجار قنبلة.
حياته بعد الحرب
عانى والد أندريه كثيرًا بعد الحرب، وعندما حاول
متابعة دراسته الجامعية في التاريخ، واجه عقبات بسبب مواقفه المناهضة للفكر
الستاليني، إذ وقف في طريقه الأكاديمي المؤرخ ميخائيل تيخوميروف.
وفي عام 1950، عمل في إعداد موسوعة تاريخية، وشارك في تحرير مقالات في مجالي التاريخ والآثار. إلا أن حالته الصحية تدهورت، إذ أُصيب بنوبة قلبية عام 1957، تكررت عام 1960، وزادت حالته سوءًا بعد وفاة زوجته عام 1961
المراجع
إمالريك، أدرية.(د.ت)
الطريق إلى سيبيريا. (ترجمة سليم واكيم). دار الفكر الحر.
Amalrik, A. (n.d.). Biography. In Encyclopaedia Britannica. Retrieved
March 24, 2026, from https://www.britannica.com/biography/Andrey-Alekseyevich-Amalrik
Encyclopaedia Britannica. (n.d.). Joseph Stalin. Retrieved March 24,
2026, from https://www.britannica.com/biography/Joseph-Stalin
Wikipedia contributors. (n.d.). Andrei Amalrik. In Wikipedia. Retrieved
March 24, 2026, from https://en.wikipedia.org/wiki/Andrei_Amalrik
Wikipedia contributors. (n.d.). Joseph Stalin. In Wikipedia. Retrieved
March 24, 2026, from https://en.wikipedia.org/wiki/Joseph_Stalin


