ما الذي تقصده
حقًا؟
كيف يصنع
اختلاف المعنى الخلافات
في كثير
من الخلافات اليومية بيننا لا تكون المشكلة في النوايا، بل في المعاني. قد يتحدث
شخصان بالكلمات نفسها، لكن كلًّا منهما يحمل داخل ذهنه تعريفًا مختلفًا لها. وهنا
يظهر ما يمكن تسميته في علم النفس الاجتماعي بفجوة المعنى؛ أي أن اللغة
تبدو مشتركة، لكن الدلالات النفسية والثقافية ليست كذلك.
في بعض الأحيان
نقوم باستخدام مصطلحات تكون غامضة جدا وربما الاخرون لن يعرفوا ما الذي تقوم بالإشارة
إليه او ربما سوف يستخدمون هذه المصطلحات بطريقة مختلفة
نحن كبشر
نختلف في إدراكنا للمفاهيم، حتى لو نشأنا في البيئة نفسها. فكلمات مثل الأمانة،
الصدق، الإخلاص، والحب تبدو كلمات بسيطة ومتفقًا عليها ظاهريًا، لكنها في
الحقيقة مفاهيم متعددة التفسير.
فمثلًا:
قد يرى شخص أن الصدق يعني قول
الحقيقة كاملة مهما كانت مؤلمة، بينما يرى شخص آخر أن الصدق الحقيقي هو تجنب قول
ما قد يجرح مشاعر الآخرين، حتى لو تطلّب ذلك بعض المجاملة. في هذه الحالة كلا
الطرفين يعتقد أنه صادق، لكن تعريف الصدق مختلف بينهما.
الأمر
نفسه ينطبق على مفهوم الاهتمام في العلاقات. فبعض الناس يفسر الاهتمام بأنه
تواصل يومي مستمر وسؤال متكرر، بينما يراه آخرون في الأفعال العملية مثل تقديم
الدعم أو المساعدة عند الحاجة. وعندما يلتقي هذان النمطان في علاقة واحدة، قد يشعر
أحد الطرفين بالإهمال بينما يعتقد الآخر أنه يقوم بواجبه كاملًا.
هذه
الفجوة في المعاني تظهر بوضوح في العلاقات الزوجية، خصوصًا في الزيجات التي لم
يسبقها تعارف عميق. فبعد الزواج يبدأ كل طرف في اكتشاف أن الكلمات التي ظن أنها
مفهومة مسبقًا لم تكن كذلك. فقد يقول أحد الزوجين: "أنا أريد الاحترام"،
لكنه يقصد مثلًا عدم رفع الصوت أثناء النقاش، بينما يفسر الطرف الآخر الاحترام
بأنه الطاعة أو عدم الاعتراض. هنا يبدأ الخلاف ليس بسبب سوء النية، بل بسبب اختلاف
تعريف المصطلح ذاته.
في العلاج
المعرفي هذه فنية تعرف باسم تعريف المصطلحات وتعني ببساطة أن يوضح الفرد
ماذا يقصد بالكلمات التي يستخدمها، بدل افتراض أن الطرف الآخر يفهمها بالطريقة
نفسها. هذه المهارة تبدو بسيطة، لكنها في الواقع من أكثر الأدوات فاعلية في تقليل
سوء الفهم.
فبدل أن
يقول شخص لشريكه : "أنت لا
تهتم بي"، يمكنه أن يوضح المعنى الذي يقصده، كأن يقول:
"عندما لا
تتصل بي طوال اليوم أشعر بأنك غير مهتم."
بهذه الطريقة يتحول النقاش من اتهام
عام إلى معنى محدد يمكن فهمه والتعامل معه.
لذلك فإن
افتراض أن الآخرين يفكرون بالطريقة نفسها التي نفكر بها هو أحد أكثر الأخطاء
الإدراكية شيوعًا في العلاقات الإنسانية.
إن الوعي
بهذه الحقيقة يغيّر طريقة فهمنا للخلافات. فبدل النظر إلى الاختلاف بوصفه صراعًا
بين صواب وخطأ، يمكن فهمه أحيانًا بوصفه اختلافًا في المعاني. وعندما يدرك الإنسان
أن الكلمات ليست دائمًا مشتركة المعنى، يصبح أكثر ميلًا إلى السؤال والتوضيح بدل
الحكم السريع.
في
النهاية، قد نتحدث اللغة نفسها، لكننا لا نحمل دائمًا المعاني نفسها. لذلك فإن
إحدى أبسط مهارات التواصل وأكثرها عمقًا هي أن نسأل أحيانًا سؤالًا صغيرًا قبل أن
نختلف:
"ماذا
تقصد بهذه الكلمة؟" او "أيش يعني .....بالنسبة لك؟"
مثل:
وش مفهوم
الصدق عندك؟
أيش تقصد
بكلمة إخلاص؟
ممكن
توضح لي أكثر؟ وش يعني هذا الشي بالنسبة لك؟
يعني لما
تقول إنك زعلان… زعلان من أيش تحديدًا؟
ففي كثير
من الأحيان، لا يكون الخلاف بين الناس لأنهم مختلفون تمامًا، بل لأنهم يعتقدون
أنهم يتحدثون عن الشيء نفسه… بينما هم في الحقيقة يتحدثون عن شيئين مختلفين تمامًا.
المراجع
ليهي،
روبرت آخرون. (2017). فنيات العلاج المعرفي: دليل الممارسين). ترجمة: شواش،
تيسير؛ هاشم، احمد ؛ والعرجان، سامي). دار الفكر
غراي، جون. (1992). الرجال
من المريخ والنساء من الزهرة. ترجمة: مجموعة مترجمين. مكتبة جرير.
