الأحلام بين الرغبة والعاطفة والإبداع
أحلامنا ليست مجرد صور عابرة أو قصص عشوائية، بل
هي نوافذ تطل على أعماق النفس، حيث تختلط الذكريات بالرغبات والمخاوف. ومنذ مئات
السنين، حاول العلماء والفلاسفة والمفسرون فهم الاحلام ، فالإنسان دائمًا كان يسعى
لمعرفة ما تحمله الأحلام من رسائل ومعاني. ولم تقتصر أهمية الأحلام على الجانب
النفسي فحسب، بل ذكرت أيضًا في الأديان السماوية
إن الأحلام "سلسلة من الإدراكات والأفكار والمشاعر التي تحدث أثناء
النوم، وتُعاش كسلسلة من الأحداث الواقعية. ولا يمكن للمُحاورين معرفة طبيعة هذه الأحداث،
أي محتوى الحلم، إلا من خلال تقرير شفهي أو كتابي."
وهذه الاحلام التي نراها قد تكون غير طبيعية، بل
هي سلسلة من الأشياء غير المفهومة والغريبة فحلم الرجل الذئب هو أحد أشهر
الأحلام في تاريخ التحليل النفسي.
كان سيرجي بانكيف صاحب هذا الحلم، ففي
طفولته حلم بهذا الحلم
" كنت احلم انني كنت مستلقيا في سريري
وعندما انفتحت النافذة فجأة من تلقاء نفسها، وشعرت بالرعب عندما رأيت سته او سبعة لذئاب
البيضاء تجلس على شجرة جوز كبيرة أمام النافذة وعيونها
مثبتة عليه. "
وقام برسم تخطيطي للحلم لفرويد، وعرضه عليه
ومن جهة أخرى قد تكون احلامنا تعكس أنشطة الحياة اليومية وهمومها التي
تشغل أذهاننا، مثل الدراسة والتسوق والذهاب إلى العمل، وما إلى ذلك.
وقد
تكون طريق للنجاح والابداع فالكاتبة ماري شيلي أنها استلهمت فكرة روايتها
"فرانكشتاين" من حلم رأتْه عندما كانت في الثامنة عشرة، والأحلام ألهمت
أيضًا علماء ورياضيين. فالعالم أوتو لوي اكتشف الأستيل كولين، ناقل عصبي ،
بناءً على تجربة جاءت له في حلم، ذكر عالم الرياضيات الهندي سرينيفاسا
رامانوجان أن العديد من اكتشافاته، بما في ذلك صيغ جديدة لحساب قيمة باي، جاءت
له في أحلامه.
وأسطورة
الغولف جاك نيكلاوس مرارًا عن كيف كان يُعطي نفسه "دروسًا" في
أحلامه أدت إلى تحسين أدائه.
هل كانت تلك الأحلام تعبيرًا عن رغبات دفينة لديهم؟ وهل أسهمت
الاحلام في تحقيق هذه الرغبات، سواء داخل الحلم ذاته أو لاحقًا في الواقع؟ وماذا عن
الأفراد الذين يعجزون عن تحقيق أحلامهم على أرض الواقع؟ هل تتحول أحلامهم إلى أوهام
زائفة، أم تبقى مجرد رغبات كامنة لم تجد طريقها إلى الفعل؟
تقترح نظرية الأحلام لسيغموند فرويد، كما وردت في كتابه
"تفسير الأحلام" ، أن الأحلام هي تحقيقات مُقنّعة لرغبات
مكبوتة في اللاوعي، مما يجعلها الطريق الأمثل لفهم العقل الباطن. وقد ميّز فرويد
بين المحتوى الظاهر (ما تتذكره) والمحتوى الكامن (المعنى الحقيقي الخفي)"
فسر فرويد
هذا الحلم على أنه تحقيق لرغبة.
يشير المحتوى
الكامن في الأحلام، إلى المعاني أو المواضيع الخفية والرمزية واللاواعية الكامنة وراء
أحداث الحلم، اما المحتوى الظاهر، وهو القصة الفعلية أو الأحداث التي تحدث في الحلم
كما يتذكرها الحالم.
كان فرويد
يعتقد أن المحتوى الكامن للحلم غالباً ما يرتبط بالرغبات والأماني والصراعات اللاواعية. هذه أفكار ومشاعر مزعجة أو غير مقبولة لدرجة
أن العقل الواعي يكبتها. لكنها قد تظهر بشكل متخفٍ في أحلامنا.
لا يمكن
ملاحظة المحتوى الكامن بشكل مباشر لأنه غالباً ما يكون مشفراً أو رمزياً في المحتوى
الظاهر للحلم.
على سبيل
المثال، قد يكون للحلم بفقدان الأسنان محتوى كامن يتعلق بالقلق بشأن الشيخوخة أو الخوف
من فقدان القوة أو السيطرة (على الرغم من أن التفسيرات يمكن أن تختلف اختلافًا كبيرًا
اعتمادًا على الفرد وعلى ثقافتة).
إن الاحلام الواضحة لا تحتاج إلى تفسير فالشخص
الذي لدية اختبار بعد أسبوع من الآن ربما تظهر لدية أحلام عن دخوله لقاعة الاختبار
واحلام من هذا النوع تدور حول الاختبار وتكون واضحة ان هذا الشخص قلق بشأن اختباره
، ولكن توجد أحلام ليس فيها أشياء واضحة ومن هذه الرموز، فالرموز قد تكون
رموزًا جنسية ، مثل الأعمدة أو البنادق أو السيوف التي تمثل القضيب، أو
ركوب الخيل والرقص اللذين يمثلان الجماع. على سبيل المثال، اقترح فرويد أن أحلام
الطيران قد تعكس رغبة جنسية، بينما أحلام فقدان الأسنان قد تعكس القلق بشأن
الشيخوخة.
ومعنى الرموز يختلف من شخص لآخر، وأن ارتباطات
الفرد هي الأهم في التفسير. فلا يمكن فهم رمزية المحتوى الظاهر للحلم دون معرفة
ظروف وخبرات الشخص نفسه وثقافته وديانته حتى نفهم الرموز بشكل كامل.
وارى بأن الشخص الحالم هو الشخص القادر على تفسير
رموزه بنفسية وذلك عن طريق التداعي الحر الذي استخدمة فرويد مع مرضاه للكشف عن الرموز
او المحتوى الكامن للأحلام.
في هذه العملية، يعبّر الشخص عن كل ما يخطر بباله
عن كل جزء من الحلم، دون رقابة أو حكم على أفكاره.
في التداعي الحر، يُشجع الفرد على مشاركة أي فكرة تخطر بباله عن عناصر
الحلم، مهما بدت عشوائية أو غير مرتبطة. الهدف من ذلك هو أن هذه الأفكار قد تكشف
عن فهم أعمق للرغبات أو الصراعات اللاواعية التي يعكسها الحلم.
ويرى بعض المحللين النفسيين المعاصرين بأن
"ما يراه المرء في الحلم هو مجرد حلم"
وانه أيضا يصعب تذكر الأحلام، إذ لا تتجاوز نسبة ما
يُتذكر منها في اليوم التالي 5% إلى 10%. أما الأجزاء التي تبقى عالقة في الذاكرة،
فغالباً ما تتلاشى خلال الليل
هل الاحلام مجرد تعبير عن الرغبات، أم أنها تحمل أبعادًا أعمق من ذلك؟
وفق منظور إرنست هارتمان، الأحلام ليست
مجرد رغبات محضة كما قال فرويد، بل هي انعكاسات عاطفية للإنسان، أي أنها
تُظهر العاطفة السائدة بطريقة تمثيلية وصور رمزية داخل الحلم.
ويرى هوبسون وماكارلي أن الأحلام ليست تحقيقًا
لرغبات ولا حتى بالضرورة مرآة مباشرة للعاطفة، بل هي نتيجة نشاط عصبي تلقائي يحدث
أثناء نوم حركة العين السريعة (REM). الدماغ – خصوصًا جذع الدماغ – يطلق
إشارات عشوائية، والقشرة المخية تحاول "توليفها" وصياغتها في قصة ذات
معنى.
وأنشآ نظرية"
التنشيط والتوليف للأحلام" عام 1977، مشيرين إلى أن الأحلام تنتج عن
محاولة الدماغ فهم النشاط العصبي أثناء النوم.
كيف يؤدي نشاط الدماغ أثناء النوم إلى الأحلام؟
يرى هوبسون أن الأحلام
-
تبدأ من تنشيط فسيولوجي داخلي خلال مرحلة
نوم حركة العين السريعة (REM)، حيث تُحفَّز دوائر في جذع الدماغ بشكل
دوري. هذا التنشيط ليس موجّهًا بمعنى نفسي مقصود، بل هو نشاط عصبي دوري مرتبط
ببنية النوم ذاتها.
-
عند حدوث
هذا التنشيط، تنخرط مناطق الجهاز الحوفي — خاصة اللوزة الدماغية والحُصين — في
معالجة الإشارات. وهنا يظهر البعد العاطفي والذاكري للحلم؛ فتنشيط اللوزة يفسر
الشحنة الانفعالية المرتفعة في كثير من الأحلام، بينما يفسر الحُصين تداخل عناصر
من الذاكرة العرضية.
-
ثم تأتي
الخطوة الأهم في النموذج: التوليف (Synthesis). القشرة
المخية، التي تحاول بطبيعتها خلق الترابط والمعنى، تبدأ في تنظيم هذا السيل العصبي
الداخلي ضمن بنية سردية. الحلم، إذن، ليس رسالة مشفّرة من اللاوعي، بل محاولة
الدماغ “لشرح نفسه لنفسه” أثناء حالة فيزيولوجية خاصة.
ومع ذلك — وهنا يصبح هوبسون أكثر دقة مما يُفترض
أحيانًا — فهو لا يقول إن الأحلام عديمة المعنى. بل يؤكد أن هذه العملية الفوضوية
قد تنتج تركيبات معرفية جديدة، أي نوعًا من الإبداع العفوي. فإعادة
دمج عناصر معرفية بشكل غير خاضع للرقابة التنفيذية الصارمة قد يسمح بظهور أفكار
غير متوقعة. معظمها قد يكون عبثيًا، لكن بعضها قد يكون ابتكاريًا بحق.
المراجع
|
[1] |
G. Domhoff, Refocusing the Neurocognitive Approach to
Dreams: A Critique of the Hobson Versus Solms Debate, APA PsycArticles,
2005. |
|
[2] |
F. M. London, "The Wolf Man’s dream. Freud Museum
London," (n.d.).. [Online]. Available:
https://www.freud.org.uk/schools/resources/the-wolf-mans-dream/. |
|
[3] |
H. Marlo, “The Wolf Man’s
Dream,” 9 July 2024. [Online]. Available: https://www.freud.org.uk/schools/resources/the-wolf-mans-dream/. |
|
[4] |
س. فرويد،
الاحلام، بيروت : منشورات مكتبة الهلال، 1978. |
|
[5] |
S. McLeod, “Sigmund Freud
dream theory,” 24 January 2024. [Online]. Available:
https://www.simplypsychology.org/freud-dream-theory.html.. |
|
[6] |
G. W. Domhoff, Principles and
practices of sleep medicine, W. B. Saunders, 2005. |
|
[7] |
K. Cherry, “How Does the
Activation-Synthesis Model Explain Dreams?,” 21 December 2025. [Online].
Available:
https://www.verywellmind.com/what-is-the-activation-synthesis-model-of-dreaming-2794812. |
