الاحلام الواعية: بين اليقظة والحلم

وفاء عبدالله
الصفحة الرئيسية

 

الاحلام الواعية: بين اليقظة والحلم

الاحلام الواعية: بين اليقظة والحلم


رغم أن الإنسان قد يعيش أثناء نومه تجارب شديدة الغرابة — كأن يحلّق في السماء، أو يسقط من قمة جبل، أو يطارده حيوان مفترس، أو يرى أشباحًا — فإنه في الغالب لا يعي أنه داخل حلم.

وهنا لا يُقصد بالإدراك مجرد الرؤية أو الإحساس بأحداث الحلم، بل يُقصد به الوعي -حالة إدراكك أنك تحلم بالحلم الواعي-؛ أي قدرة الفرد على أن يدرك حالته الذهنية ذاتها، وأن يعرف أنه يحلم في اللحظة التي يحدث فيها الحلم.

  لماذا تتكرر الأحلام الواعية لدى بعض الأفراد؟

  هل هي ظاهرة طبيعية أم مرتبطة بمتغيرات نفسية معينة؟

ما هو الحلم الواعي؟

"حلمٌ يدرك فيه الحالم أنه يحلم." (LaBerge, 1985)

"حالة حلم يدرك فيها الفرد أنه يحلم أثناء حدوث الحلم، مع احتفاظه بدرجة من الوعي الذاتي والقدرة الجزئية أو الكاملة على توجيه مجريات الحلم."

فالحلم الواعي يُدرك المرء أنه يحلم بينما يبقى نائمًا جسديًا، منغمسًا في بيئة حلم تبدو واقعية. إضافةً إلى الوعي الذاتي بحالة الوعي، من الشائع أيضًا خلال الأحلام الواعية استعادة ذكريات من الحياة اليومية، فضلًا عن القدرة على التحكم الإرادي في الأفعال داخل الحلم.

في علم الأعصاب، يحدث الحلم الواعي هذا عندما تعود قدرة الفرد على التفكير التأملي إلى الظهور كما هي أثناء اليقظة

كيف يحدث الحلم الواعي ؟

يجد شخص نفسه يمشي في مدينة يعرفها جيدًا، لكنه يلاحظ أن لون السماء أخضر داكن، وأن المباني مائلة بطريقة غير منطقية. فجأة يتوقف ويفكر:

“هذا غير ممكن… أنا أحلم.”

في تلك اللحظة يدرك أنه داخل حلم. لا يستيقظ، بل يواصل الحلم وهو واعٍ بذلك.

يقرر أن يطير، فيقفز في الهواء ويتمكن من التحكم باتجاهه. طوال التجربة يعرف أنه نائم في سريره، لكن جسده الحلمي يستمر في التفاعل داخل المشهد.

هذا مثال كلاسيكي على ما وصفه الباحث "Stephen LaBerge"

بأنه لحظة تحول إدراكي داخل الحلم، حيث ينتقل الحالم من الانخراط الكامل في السرد الحلمي إلى حالة وعي كامل

لا يختبر معظم الناس الأحلام الواعية إلا مرات قليلة في حياتهم، إن حدث ذلك أصلاً. وحتى لو أدركوا حالة أحلامهم، فمن النادر جداً أن يتمكنوا من التحكم بمحتوى أحلامهم بشكل فعلي وكامل في الوقت الحقيقي.

قال بنجامين بيرد، الأستاذ المساعد في جامعة تكساس في أوستن: "يُصاب واحد من كل ألف شخص تقريبًا بأحلام واعية بشكل عفوي ومنتظم. من المثير للاهتمام وجود هذه الفئة".

 

لماذا تتكرر الأحلام الواعية لدى بعض الأشخاص؟

·      الأحلام الواعية المتكررة ترتبط بزيادة النشاط الوظيفي للدماغ، خاصة بين القشرة الجبهية الأمامية ومناطق الصدغ والجدار، دون تغيّر في بنية الدماغ نفسها. (Baird et al., 2018)

·      ممارسة تقنيات محددة: تكرار الأحلام الواعية قد يرتبط بممارسة تمارين مثل اليقظة الذهنية (Mindfulness) أو تمارين التحكم بالحلم او ما يعرف بالخروج من الجسد او الاسقاط النجمي (العصمي، 2015)، التي تساعد على زيادة وعي الشخص أثناء النوم.

 

هل هي ظاهرة طبيعية أم مرتبطة بمتغيرات نفسية معينة؟

الأحلام الواعية المتكررة ظاهرة معقدة، واختلفت الدراسات حول طبيعتها. بعض الباحثين يرونها مهارة طبيعية يمكن تطويرها لدى أي شخص، خاصة عند الذين يتمتعون بوعي ذاتي مرتفع وقدرة على التخيل المكثف.
لكن الدراسات الأخرى تشير إلى أن ممارستها المتكررة أو الفاشلة قد تحمل مخاطر محددة:

  • شلل النوم (Sleep Paralysis): شعور بالاستيقاظ دون القدرة على الحركة مؤقتًا.
  • الاستيقاظ الكاذب (False Awakening): تجربة مربكة يظن فيها الشخص أنه مستيقظ ويقوم بأنشطته اليومية، ليتضح لاحقًا أنه لا يزال نائمًا.

تجارب كهذه يمكن أن تُشوش الخط الفاصل بين الحلم والواقع، وقد تُفاقم أعراضًا نفسية لدى الأشخاص الذين لديهم ميل للأوهام أو الهلوسة.

بهذا، يمكن القول إن الأحلام الواعية قد تكون طبيعية عند بعض الأفراد، لكنها ترتبط أيضًا بمتغيرات نفسية مثل الحساسية الانفعالية، الميل للخيال، والميول الانفصالية، مما يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا من كونها مجرد مهارة نوم.

هل هي مهارة يمكن تطويرها؟

تُشير بعض المصادر العلمية والتجريبية إلى أن الحلم الواعي يمكن تدريبه وتطويره. على سبيل المثال، في كتاب الاسقاط النجمي (ترجمة محمد العصمي)، يُعتبر الاستيقاظ داخل النوم، أو ما يُسمى “الخروج من الجسد”، تجربة يمكن ممارستها وتنميتها للوصول إلى مستوى متقدم من التحكم في مجريات الحلم الواعي. بعض التمارين تشمل التحقق من الواقع أثناء اليقظة، تسجيل الأحلام بشكل دوري، وممارسة التأمل قبل النوم.

مع ذلك، لا تتفق جميع المراجع على هذه النظرة؛ فهناك من يعتبر الأحلام الواعية خرافة أو مجرد واهية ذهنية، بل وهناك تفسير ديني يرى أن الانخراط في مثل هذه الممارسات قد يكون محظورًا أو مرتبطًا باستدعاءات غير مرغوبة (استدعاء الشيطان)

بهذا يظهر أن الحلم الواعي يقع عند تقاطع العلم العصبي النفسي من جهة، والثقافة والمعتقدات الدينية من جهة أخرى، مما يجعل موضوع تطوير هذه المهارة مسألة شخصية وعلمية وثقافية في الوقت نفسه.

📌 للمزيد من الاطلاع على الأحلام الواعية وتجارب الحلم داخل الحلم، يمكنكم قراءة المقال التالي: حلم داخل حلم

 

 

 

 

المراجع

غير معروف.(2015). الاسقاط النجمي (ترجمة محمد العصمي). دار الفكر العربي

Baird, B., Castelnovo, A., Gosseries, O., & Tononi, G. (2018). Frequent lucid dreaming associated with increased functional connectivity between frontopolar cortex and temporoparietal association areas. Scientific Reports, 8, 17798. https://doi.org/10.1038/s41598-018-36190-w

Tzioridou, S., CampilloFerrer, T., CañasMartín, J., Schlüter, L., TorresPlatas, S. G., Gott, J. A., SofferDudek, N., Stumbrys, T., & Dresler, M. (2025). The clinical neuroscience of lucid dreaming. Neuroscience and Biobehavioral Reviews, 169, 106011. https://doi.org/10.1016/j.neubiorev.2025.106011

Radtke, D. (2025, July 23). The fascinating neuroscience of lucid dreaming. BrainFacts/SfN. https://www.brainfacts.org/thinking-sensing-and-behaving/sleep/2025/the-fascinating-neuroscience-of-lucid-dreaming072325.

 

Wikipedia contributors. (n.d.). Lucid dream. In Wikipedia, The Free Encyclopedia. Retrieved February 18, 2026, from https://en.wikipedia.org/wiki/Lucid_dream

LaBerge, S. (1985). Lucid Dreaming. Los Angeles: Jeremy P. Tarcher.






 

google-playkhamsatmostaqltradent