عائلة مريض الشيزوفريني (الفصام)

وفاء عبدالله
الصفحة الرئيسية

 

عائلة مريض الشيزوفريني (الفصام)


عائلة مريض الشيزوفريني (الفصام)


كنتُ دائمًا أتساءل: كيف تكون عائلة مريض الشيزوفريني (الفصامي)؟
هل تشبه أي عائلة طبيعية؟ كيف يتفاعلون مع بعضهم؟ وكيف تُدار العلاقات داخل هذا البيت؟

لنبدأ من اللحظة الأولى.
حين يُصاب أحد أفراد العائلة بالشيزوفرينيا (الفصام)، لا يتوقف الألم عند الشخص المصاب فقط، بل تمر العائلة كلها بموجة عنيفة من التقلبات النفسية. أسئلة ثقيلة تفرض نفسها: لماذا حدث هذا؟ هل كان بالإمكان منعه؟ هل نحن مسؤولون عمّا جرى؟

فمن هي العائلة التي ينشأ فيها مريض الشيزوفرينيا (الفصام)؟

 

الطفل الذي لم يجد الأمان كما ينبغي

منذ خمسينيات القرن الماضي، لفت بولبي (Bowlby) الانتباه إلى حقيقة تبدو بسيطة لكنها عميقة الأثر: حاجة الطفل إلى أمه ليست رفاهًا عاطفيًا، بل شرطًا أساسيًا للنمو النفسي السليم. حين يُحرم الطفل من هذا الأمان، سواء بسبب وفاة الأم، أو انفصالها، أو انشغالها، أو برودها العاطفي، فإن داخله لا ينهار فورًا، بل يتكيّف بصمت. هذا التكيّف، كما رأت بعض النظريات، قد يتحول لاحقًا إلى هشاشة نفسية عميقة.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا من معادلة مختزلة تقول: «أم غائبة = مرض». فالدراسات لم تُثبت أن الحرمان وحده يصنع الشيزوفرينيا، بل أظهرت أن بعض الأمهات كنّ حاضرات جسديًا، لكنهن غائبات نفسيًا؛ أمهات مُنهكات، مكتئبات، خائفات، أو محتاجات عاطفيًا لأطفالهن أكثر مما يحتمل الطفل نفسه.

 

حين تتحول الأم إلى عالم كامل

وصف أريتي (Arieti, 1955) أم مريض الشيزوفرينيا بأنها أم لا تترك مساحة للطفل ليكون نفسه. لا لأنها شريرة، بل لأنها خائفة. تحب طفلها، لكنها تحبه بطريقة تخنقه؛ تريده قريبًا، تابعًا، آمنًا داخل دائرتها. وفي كثير من الأحيان، يكون الأب غائبًا نفسيًا أو ضعيف الحضور، فتتحول العلاقة بين الأم والطفل إلى علاقة مغلقة، بلا نوافذ.

هذا النوع من العلاقات قد لا يبدو مؤذيًا من الخارج، بل قد يُنظر إليه كعلاقة مثالية: أم مضحية وطفل مطيع. لكن المشكلة تبدأ حين يكبر الطفل ولا يُسمح له بالانفصال النفسي. فمحاولاته للاستقلال تُقابل بالذنب، أو بالخوف، أو بالانسحاب العاطفي من الأم، فيتعلم الطفل درسًا قاسيًا:
أن أكون نفسي يعني أن أفقد الحب.

 

الأب الغائب… وإن كان حاضرًا

لاحظ باحثون مثل هيل وليدز (Hill & Lidz) أن الأب في كثير من هذه العائلات يكون موجودًا جسديًا، لكنه غائب نفسيًا. إما خاضعًا، أو عدوانيًا بلا أثر، أو عاجزًا عن لعب دور الحامي والموازن للعلاقة بين الأم والطفل. في هذه الحالة، لا يجد الطفل مرجعًا ثالثًا يخفف من شدة الارتباط بالأم، فيبقى عالقًا داخل علاقة ثنائية مرهقة.

أم تسيطر لأنها قلقة، وأب ينسحب لأنه ضعيف أو مهزوم، وطفل يدفع الثمن.

 

لماذا يُصاب طفل دون إخوته؟

سؤال يتكرر في كل بيت فيه مريض شيزوفريني: لماذا هو؟ ولماذا لم يُصب أخوه أو أخته؟

الجواب المؤلم هو أن التجربة لم تكن واحدة، حتى وإن عاش جميع الإخوة والأخوات في البيت نفسه وتحت الظروف الظاهرة ذاتها. بعض الأطفال عاشوا طفولتهم في ذروة صراعات الوالدين، أو خلال اكتئاب الأم، أو في لحظة انهيار الأسرة، بينما مرّ آخرون بطفولة أكثر استقرارًا نسبيًا.

وقد يرجع الأمر إلى شخصية الطفل نفسه، أو إلى اختلاف طرق التعبير عن الألم النفسي؛ فقد يُصاب أحدهم بالفصام، بينما يُصاب آخر بالاكتئاب، أو القلق، أو اضطراب ما بعد الصدمة. وهنا يتقاطع العامل النفسي مع الاستعداد الوراثي.

 

حين يتعلم الطفل أن يعطي قبل أوانه

يرى ولمان (Wolman) أن أخطر ما يمكن أن يحدث للطفل هو أن يتحول من متلقٍ للرعاية إلى مُقدِّم لها. في بعض العائلات، يصبح الطفل هو المهدّئ، والمُرضي، والحامل لمشاعر والده او والدته يعطيهما الطمأنينة، والوجود، والمعنى، دون وعي منه. لكنه يدفع ثمنًا باهظًا: يتخلى عن طفولته.

هذا العطاء المبكر يُنهك الجهاز النفسي، ويخلخل توازن الطاقة الداخلية، ويترك الفرد لاحقًا عاجزًا عن بناء علاقات صحية قائمة على التبادل.

 

الانسحاب كملاذ أخير

رأى سليفان وفروم-رايخمان (Fromm-Reichmann) أن الشيزوفرينيا ليست هجومًا على الواقع، بل انسحابًا منه. حين يصبح العالم مرعبًا، والعلاقات مليئة بالتهديد، والفشل متوقعًا، ينسحب الفرد إلى داخله. هناك، في الخيال، لا يُرفض، ولا يُنتقد، ولا يُطالَب بأن يكون ما لا يستطيع أن يكونه.

الشخص المصاب لا يهرب لأنه ضعيف، بل لأنه استُنزف طويلًا.

 

لا لوم… بل فهم أعمق

من المهم أن يُقال بوضوح: ليس كل طفل نشأ في علاقة مضطربة يُصاب بالشيزوفرينيا يمكن ان يصاب بأي مرض نفسي او عقلي أخرى. وهذا يعني أن الأسرة ليست السبب الوحيد، بل جزء من معادلة أكبر تشمل الوراثة، والدماغ، والتجارب الحياتية.

لكن هذا لا يُلغي حقيقة أن بعض البيئات العائلية قد تكون سببًا مباشرًا في جعل الفرد مريضًا، نتيجة طبيعتها غير السوية. ومن ناحية أخرى، قد يكون ظهور المرض وراثيًا بحتًا، حتى لو كانت الظروف مثالية، فبعض المسارات المرضية قد لا تمنعها البيئة وحدها.

 

كيف أرى عائلة مريض الفصام؟

كما أرى، فإن عائلة مريض الفصام غالبًا لا تكون عائلة طبيعية حتى قبل ظهور المرض، ولن تصبح كذلك بعده. فهي عائلة قد تتسم بالآتي:

-       أم مسيطرة بشكل تام على الطفل: على قراراته، وكلامه، وحتى على شكل الحب الذي تقدمه له.

-       أب غائب، منسحب، أو عدواني.

-       علاقة زوجية مختلة، تتضمن صراعًا مستمرًا أو برودًا عاطفيًا شديدًا.

-       طفل يتحمل أعباء لا تتناسب مع عمره.

-       بيئة عاطفية متقلبة، تتأرجح بين الحب المشروط والتعلق الشديد ثم الابتعاد المفاجئ، ما يجعل الطفل مرتبكًا: هل يُحب أم يُكره؟ فيفقد ثقته بذاته وبمن حوله.

-       عامل وراثي، حين يحمل أحد الوالدين سمات فصامية أو اضطرابات شخصية.

فهل تظن أن طفلًا ينشأ داخل عائلة تعاني كل هذه الاختلالات يمكن أن يكون طفلًا طبيعيًا… أو إنسانًا طبيعيًا في المستقبل؟

 

المراجع

 

Arieti, S. (1955). Interpretation of schizophrenia. New York: Basic Books.

Bowlby, J. (1950). Maternal care and mental health. Geneva: World Health Organization.

Fromm-Reichmann, F. (1955). Schizophrenia and psychotherapy. International Journal of Psychoanalysis, 36, 456–466.

Hill, L. B. (1956). The family of the schizophrenic patient. Psychiatry, 19(1), 1–12.

Lidz, T. (1963). The family environment of schizophrenic patients. New York: International Universities Press.

Sullivan, H. S. (1953). The interpersonal theory of psychiatry. New York: Norton.

Wolman, B. B. (1965). Handbook of clinical psychology. New York: McGraw-Hill.


google-playkhamsatmostaqltradent