هل يمكننا «صناعة» مريض فصام؟
في حياتنا اليومية، نميل إلى التعامل مع الأمراض
بوصفها «أشياء» نصاب بها: نزلة برد، كسر في العظم، خلل في عضو محدد. هذا التصور
يُريحنا، لأنه يُخرج المرض من المجال الأخلاقي والاجتماعي، ويضعه في حقل الطب
الصافي. لكن ماذا لو كان أحد أكثر الاضطرابات العقلية تعقيدًا، كالفصام، ليس مجرد
خلل عصبي، بل النتيجة النهائية لتفاعلات اجتماعية وعائلية ضاغطة؟
لا يدّعي هذا المقال أن الفصام وهم خالص
أو اختلاق متعمّد، لكنه يطرح سؤالًا
لا يمكن تجاهله: إلى أي مدى يشارك
المجتمع والعائلة والخطاب الطبي في
تشكيل ما نسمّيه «مرضًا»؟
ربما لا نخلق الفصام من العدم، لكننا –
في ظروف معينة – قد نصنع الطريق
الذي لا يملك الفرد فيه سوى الجنون
كملاذ أخير.
· ولا يكون الشخص فصاميا إلا بوجود
استعداد وراثي لذلك
الجذور تاريخية
لفهم الحاضر، لا بد من العودة إلى نقطة البداية.
في أوروبا القرن السابع عشر، لم تكن المستشفيات العقلية مؤسسات علاجية بالمعنى
الحديث، بل كانت جزءًا من مشروع اجتماعي. في تلك المؤسسات، جرى حجز المجرم،
والمتشرد، والخارج عن القواعد الاجتماعية، والمضطرب عقليًا أو سلوكيًا، وحتى
المعارضين فكريًا، جنبًا إلى جنب.
ظاهريًا، كان الدافع إنسانيًا؛ أما فعليًا، فقد
تمثّل الهدف في إبعاد هؤلاء عن المجال الاجتماعي الطبيعي، لأسباب اقتصادية
وتنظيمية وأخلاقية في آن واحد (كمال، 1986). هذه اللحظة التاريخية، كما يشير ميشيل
فوكو، شكّلت نقطة التحول التي أصبح فيها «الجنون» أداة ضبط اجتماعي أكثر منه
توصيفًا طبيًا.
تيار «اللاجنون»
(Anti-Psychiatry): حين يصبح التشخيص أداة سلطة
يرى تيار اللاجنون أن الفصام ليس بالضرورة خللًا
دماغيًا، بل بناءً اجتماعيًا استُخدم لتبرير عزل الأفراد غير المتوافقين مع القالب
السائد. يشبه الأمر ما يمكن تسميته بـ«مسمار جحا» النفسي: ذريعة تُتيح للمجتمع
ممارسة الإقصاء دون شعور بالذنب.
ويُعد ميشيل فوكو أحد أبرز الرواد الفكريين الذين
مهّدوا لهذا الاتجاه، خصوصًا من خلال كتابه الشهير الجنون والحضارة، حيث
حلّل تاريخ الجنون بوصفه تاريخًا للسلطة والمعرفة، لا تاريخًا للمرض فقط (Foucault,
1961/1988).
يطرح فوكو سؤالًا جذريًا: ما الجنون؟ ويجيب
ضمنيًا بأن ما نسمّيه «حقيقة الجنون» ليس إلا نتاجًا لشبكة من التقنيات
والاستراتيجيات الاجتماعية التي تُعرّف ما هو مقبول وما هو مرفوض. فالجنون، عنده،
ليس جوهرًا ثابتًا، بل موقع اجتماعي يُدفع إليه الفرد.
لم يكن فوكو وحده في هذا الموقف. يرى الطبيب
النفسي الاسكتلندي رونالد ديفيد لانغ أن الجنون – وبخاصة الفصام – لا ينشأ
تلقائيًا داخل الفرد، بل يتشكّل عبر تفاعل معقّد بين العائلة والمجتمع والمؤسسة
الطبية
(Laing, 1967).
وفقًا للانغ، لا يُمنح الشخص الذي يُشخَّص
بالفصام دور «مريض» فحسب، بل يُزج به في «مهنة» كاملة، تشارك في صناعتها العائلة،
والأطباء، وموظفو الصحة النفسية، وحتى الخطاب الثقافي العام. ما يبدو سلوكًا غير
عقلاني في العيادة قد يكون، داخل سياق العائلة، استجابة منطقية تمامًا.
بل يذهب لانغ أبعد من ذلك، معتبرًا أن
اللاعقلانية الحقيقية قد تكمن في بنية العائلة نفسها، لا في الفرد الذي انهار تحت
وطأتها. في هذا السياق، يُعيد تفسير الفصام بوصفه محاولة بطولية للبقاء، لا علامة
ضعف أو خلل.
يحمّل لانغ المجتمع مسؤولية مركزية في نشوء
الاضطراب العقلي، مشيرًا إلى أن المجتمع يفرض منذ الطفولة قالبًا ضيقًا من
«التوافق»، تُقمع داخله الإمكانيات الأصيلة للفرد. وعندما يصبح التناقض بين الذات
الحقيقية والمتطلبات المفروضة غير محتمل، قد يحدث الانهيار.
في هذا الإطار، يرى لانغ أن ما نسمّيه «انهيارًا
نفسيًا» قد يكون استجابة عقلانية لواقع غير عقلاني. فالجنون، هنا، ليس خللًا، بل
مقاومة صامتة، وانسحابًا من لعبة اجتماعية قاسية.
في كتابه سبات العائلة، يقدّم لانغ نقدًا
حادًا لمفهوم الشيزوفرينيا ذاته، معتبرًا أنه قيد ذهني يُكبّل الطبيب والمريض معًا (Laing, 1971). ففهم
الإنسان وهو «أسير تشخيص» لا يكشف حقيقته، تمامًا كما لا يُعبّر سلوك الحيوان في
القفص عن طبيعته.
ويختم
لانغ بفكرة لافتة: "الأفكار نفسها قد تكون أقفاصًا. وأصعب الأبواب فتحًا ليست
أبواب المصحات، بل الأبواب المغلقة في عقولنا. فالإنسان لا يولد مجنونًا، وإنما قد
يُدفع إلى الجنون في ظروف اجتماعية واقتصادية محددة."
يرى الطبيب والمفكر ديفيد كوبر أن
الجنون ليس انحرافًا عن الحقيقة، بل أساسًا حيويًا لها. ويحمّل العائلة مسؤولية
مركزية في تشويه الوعي الفردي، معتبرًا إياها بنية قمعية تُعيد إنتاج العنف الرمزي (Cooper, 1971).
في كتابه موت العائلة، يذهب كوبر إلى طرح
راديكالي: الدعوة إلى نهاية العائلة بوصفها مؤسسة. ففي الفصل الأخير، المعنون
بـ«وصيتي وعهدي الأخير»، يدعو إلى قطيعة جذرية مع الإرث العاطفي والوجودي للعائلة،
معتبرًا أن روابط القربى استُهلكت حتى الموت.
لا يرى كوبر خلاصًا إلا في تفكيك هذه البنية،
أملًا في بقاء حب إنساني أوسع، لا يُختزل في رابطة الدم، بل يمتد إلى البشر جميعًا.
كبش الفداء (الضحية)
في العائلات المضطربة التي تعاني أصلًا من صراعات
وفشل في حياتها، تعيش الأسرة شعورًا داخليًا بأنها مختلة وغير متوازنة، وكأنها بحاجة
إلى ضحية تُعلِّق عليها كل إخفاقاتها في الحياة؛ فشلها، أخطاءها، حظها العاثر، أو أي
مشكلة عالقة لا تملك الشجاعة لمواجهتها. يتحول هذا الشخص إلى مساحة مفتوحة لتفريغ الغضب
والضيق والطفش، وإلى وعاء تُسكب فيه مشاعر الإحباط المتراكمة عبر سنوات.
مع الوقت، لا يعود وجود الضحية مجرد صدفة، بل يصبح
ضرورة نفسية للعائلة. فبوجوده، يبدو الخلل مفهومًا ومحددًا، ويمكن الإشارة إليه بالأصبع.
وبدونه، تضطر العائلة إلى مواجهة حقيقتها العارية: أن المشكلة أعمق، وأنها موزعة على
الجميع، لا متركزة في شخص واحد. لذلك يُدفَع هذا الفرد إلى موقع الهشاشة، ويُعامَل
كأنه مصدر التوتر، لا نتيجته.
ويبدأ الدور تدريجيًا: يُراقَب، يُنتقَد، تُفسَّر
تصرفاته دائمًا بأسوأ تأويل، ويُعاد تذكيره – صراحة أو ضمنًا – بأنه عبء، وأن استقرار
العائلة مرهون بصمته أو غيابه أو مرضه
. ومن اللافت في ظاهرة الضحية أو كبش الفداء أن
العائلة لا تُسارع عادةً إلى علاج المريض، بل قد يُقابَل شفاؤه بمحاولات خفية
لإعادة المرض إليه، وكأنها تخشى خسارة الدور الذي يحمله.
فيصاب الفرد بانتكاسات متكررة، لا لأن علّته
اشتدت، بل لأن العائلة تعود من جديد لممارسة ما يشبه الحرب النفسية عليه، لتُعيده
إلى موقع كبش الفداء، بسبب حاجتها إلى وجوده للحفاظ على تماسكها الظاهري، وربط
صراعاتها كلها بشخص واحد.
المراجع
Cooper, D. (1971). The death of the family. New York: Pantheon
Books.
Foucault, M. (1988). Madness and civilization: A history of insanity
in the age of reason (R. Howard, Trans.). New York: Vintage Books.
(Original work published 1961)
Laing, R. D. (1967). The politics of experience. London:
Tavistock.
Laing, R. D. (1971). The politics of the family. New York:
Pantheon Books.
كمال، علي. (1986). فصام العقل او الشيزوفرينيا. المؤسسة العربية
للدراسات والنشر
