السلوك المضاد للخوف

وفاء عبدالله

 

السلوك المضاد للخوف

السلوك المضاد للخوف


السلوك المضاد للخوف (Counter-phobic behavior) هو ميل نفسي يظهر لدى بعض الأفراد للانجذاب نحو المواقف أو الأشياء التي تُثير لديهم الخوف، بحيث يسعون بشكل متكرر لمواجهتها أو تعريض أنفسهم لها، بدلًا من تجنّبها. هذه الظاهرة ليست مجرد ميل عفوي أو رغبة في التحدي، بل هي آلية دفاعية يستخدمها الأنا للتقليل من شعور القلق أو الإحساس بالضعف أمام مهدد خارجي أو داخلي. يُعد هذا السلوك من الأشكال التي يمكن أن يكشف فيها الإنسان عن رغبته في السيطرة على القلق أو مشاعر الهشاشة في مواقف معينة.

الفرق بين السلوك المضاد للخوف وسلوك المخاطرة

على الرغم من التشابه الظاهري بين السلوك المضاد للخواف والميل إلى المخاطرة (sensation-seeking)، هناك فرق أساسي:

  • السلوك المضاد للخوف: يرتبط بمحاولة مواجهة الخوف أو التغلب عليه.
  • سلوك المخاطرة: غالبًا مدفوع بالرغبة في البحث عن الإثارة والمتعة، وليس السيطرة على خوف محدد.

مع ذلك، قد يستخدم بعض الأفراد الأنشطة الخطرة أو عالية المخاطرة كوسيلة غير واعية لإدارة القلق أو لإثبات الكفاءة أمام الذات والآخرين، مما يخلق تداخلًا بين السلوكين.

أمثلة على السلوك المضاد للخوف في الحياة اليومية

توضح التجارب الحياتية نماذج ملموسة للسلوك المضاد للخواف:

  • امرأة تخاف من المرتفعات إلى درجة تمنعها من ركوب المصعد، لكنها تغلبت على خوفها بتحويله إلى دافع مهني، فأصبحت مضيفة طيران.
  • شخص يعاني من خواف البحر يحوّل خوفه إلى شغف بالسباحة أو الملاحة.
  • شخص يعاني من خواف المسرح يسعى إلى فرص متكررة للتحدث أمام الجمهور.

في حالات الأطفال، يُلاحظ أنهم يجدون متعة في لعب الألعاب المخيفة، وهو ما يشبه التعرض التدريجي للخوف في سياق آمن، مما يعزز تنظيم الخوف وتحويله إلى تجربة مألوفة يمكن التحكم فيها.

الفوائد النفسية للسلوك المضاد للخوف

تعزيز القدرة على مواجهة الخوف

السلوك المضاد للخواف يعمل كوسيلة للتعرض التدريجي للمواقف المخيفة، وهو ما يشبه آلية التعرض التدريجي في العلاج السلوكي المعرفي لعلاج القلق والرهاب. هذا النوع من السلوك يقلل التفاعل الخوفي تدريجيًا ويعزز إحساس الفرد بالتمكّن والسيطرة على حياته اليومية.

تحسين الثقة بالنفس

أظهرت الدراسات الحديثة أن التعرض التدريجي للمثيرات المخيفة ضمن بيئة آمنة ومنظمة يخفف من حدة الاستجابات الخوفية ويعزز الشعور بالثقة بالنفس، مما يساعد الأفراد على الانخراط في مواقف كانوا يتجنبونها سابقًا.

المخاطر المحتملة للسلوك المضاد للخواف

على الرغم من فوائده، فإن السلوك المضاد للخواف يحمل بعض المخاطر:

  • قد يخفي القلق الحقيقي أو شعورًا بالنقص لدى الشخص، على الرغم من أن سلوكه يبدو شجاعًا أو جريئًا من الخارج.
  • يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات خطرة أو إدمانية إذا كان الهدف إثبات الذات أو إخفاء ضعف مستمر.
  • قد يتطور ليصبح نوعًا من الهروب النفسي المؤقت بدل معالجة الخوف الأساسي.

الدراسات والأبحاث المتعلقة بالسلوك المضاد للخوف

1. الأساس النظري التحليلي: كتاب Anna Freud "The Ego and the Mechanisms of Defence" يقدّم إطارًا لفهم كيفية استخدام الأنا لمختلف آليات الدفاع، بما في ذلك مواجهة المواقف المخيفة كاستراتيجية لتخفيف القلق.

2. التعرض العلاجي: أظهرت مراجعات حديثة في العلاج المعرفي السلوكي أن التعرض التدريجي فعال في تعديل استجابات القلق، وأن السلوك المضاد للخواف قد يشبه هذه العملية إذا كان منظّمًا ومراقبًا.

3. تدريب الاقتراب (Approach training): أظهرت تجارب علم النفس أن التدريب على مواجهة المواقف المخيفة يغيّر الميول السلوكية ويساعد على تعديل التجنّب، مع ضرورة المراقبة الدقيقة لتجنب المخاطر أو تفاقم القلق.

4. البحث عن الإثارة واستجابة الخوف: أظهرت الدراسات أن الأفراد الذين يتميزون بالبحث عن الإثارة قد يستخدمون السلوك المضاد للخواف كاستراتيجية لتنظيم العاطفة أو لتخفيف التوتر النفسي المرتبط بالخوف.

 

 

السلوك المضاد للخوف ظاهرة ذات وجهين:

  • يمكن أن يكون أداة فعّالة للتغلب على المخاوف وتحقيق التكيّف النفسي.
  • قد يخفي قلقًا أساسيًا ويؤدي إلى سلوكيات مخاطرة إذا لم يتم التعامل معه بحذر.

فهم دوافع الفرد، وسياق سلوكه، والآثار اللاحقة لهذا السلوك هو ما يحدد ما إذا كان مسارًا علاجياً مفيدًا أم مجرد تعويض مؤقت عن القلق.

 

google-playkhamsatmostaqltradent