حين يصبح المجتمع جزءًا من علاج مريض الفصام

وفاء عبدالله
الصفحة الرئيسية

 

حين يصبح المجتمع جزءًا من علاج مريض الفصام

حين يصبح المجتمع جزءًا من علاج مريض الفصام


العلاج الاجتماعي هو أحد الأساليب العلاجية التي تهدف إلى مساعدة المريض على بناء علاقات اجتماعية أفضل، بما يعزز اندماجه في المجتمع ويُكسبه مهارات سلوكية تساعده على التعايش مع الآخرين بواقعية واطمئنان.

يعاني مرضى الذهان والفصام غالبًا من لامبالاة وعزلة اجتماعية نتيجة حالتهم المرضية وهذه تكون من أعراض الفصام .

ويهدف العلاج الاجتماعي إلى تعزيز تواصلهم وقدرتهم على إقامة علاقات اجتماعية صحية بما يتناسب مع إمكانياتهم.

العلاج الاجتماعي

العلاج الاجتماعي هو أسلوب علاجي يركز على تحسين تفاعل الفرد مع محيطه الاجتماعي، من خلال إعادة بناء العلاقات الاجتماعية، وتنمية المهارات اللازمة للتواصل، وتهيئة بيئة داعمة تقلل من الضغوط النفسية وتساعد على الاستقرار الوظيفي والاجتماعي. يعمل العلاج الاجتماعي على تقليل العوامل الاجتماعية التي تسهم في استمرار الاضطراب أو تفاقمه، ويُعد مكملًا أساسيًا للعلاج النفسي والدوائي (Rowe et al., 2020; World Health Organization [WHO], 2022).

أهداف العلاج الاجتماعي

إعادة بناء الهوية

تؤدي الاضطرابات النفسية طويلة الأمد إلى اختزال هوية الفرد في دور “المريض”، ما يضعف الإحساس بالقيمة الذاتية والاستمرارية الشخصية. يتيح العلاج الاجتماعي للفرد إعادة اكتشاف ذاته خارج إطار المرض، من خلال استعادة أدوار اجتماعية حقيقية والتفاعل مع الآخرين بوصفه فاعلًا لا متلقيًا للرعاية فقط.

يمكن الاطلاع على " علاج الدور الأساسي MRT لمرضى الفصام"

إعطاء معنى للحياة اليومية

أن وجود أنشطة يومية ذات معنى، وعلاقات اجتماعية هادفة، يخفف من الشعور بالفراغ والانسحاب الذي يميز كثيرًا من الاضطرابات النفسية. يعمل العلاج الاجتماعي على إعادة تنظيم الحياة اليومية بطريقة تمنح الفرد شعورًا بالانتماء والهدف، وهو ما يرتبط بتحسن الصحة النفسية ونوعية الحياة، حتى في حال استمرار بعض الأعراض

تقليل الضغط النفسي والاجتماعي

من أبرز أهداف العلاج الاجتماعي خفض مستويات الضغط النفسي الناتج عن العلاقات المضطربة أو البيئات الاجتماعية غير الداعمة.

تحسين الأداء والوظائف الاجتماعية

يسعى العلاج الاجتماعي إلى مساعدة الفرد على استعادة مهاراته الاجتماعية وقدرته على أداء أدواره اليومية، مثل التواصل، والعمل، وتحمل المسؤوليات. ويُعد تحسين الأداء الاجتماعي مؤشرًا مهمًا على التعافي الحقيقي، حتى في حال استمرار بعض الأعراض النفسية (Rowe et al., 2020).

العلاج بالاستعادة الاجتماعية (Social Recovery Therapy – SRT)

يُعد العلاج بالاستعادة الاجتماعية (SRT) أحد النماذج التطبيقية الحديثة للعلاج الاجتماعي، وقد طُوِّر خصيصًا لمعالجة الانسحاب الاجتماعي وفقدان الدور لدى المصابين بالذهان المبكر. ينطلق هذا النموذج من فكرة أن انخفاض النشاط الاجتماعي والعمل ليس نتيجة مباشرة للأعراض الذهانية بحد ذاتها، بل نتيجة لتراكم التجنب، الخوف من الفشل، وفقدان الثقة بالقدرة على أداء دور اجتماعي ذي معنى (Fowler et al., 2019). لذلك، لا يهدف SRT إلى انتظار اختفاء الأعراض قبل البدء في الاندماج الاجتماعي، بل يعمل على استعادة النشاط والعمل بشكل تدريجي وواقعي، حتى في ظل استمرار بعض أعراض الفصام.

يُطبّق هذا النموذج داخل بيئة المريض نفسها، حيث يُساعد على تحديد هدف عملي بسيط وممكن، مثل العودة إلى عمل جزئي، تدريب مهني محدود، أو وظيفة بساعات مرنة، مع تقديم دعم علاجي يساعد المريض على التعامل مع القلق الاجتماعي والتحديات اليومية المرتبطة بالعمل. وتُظهر نتائج الدراسات أن الأشخاص المصابين بالفصام قادرون على العمل والمشاركة الإنتاجية عندما تُصمَّم الأدوار الوظيفية بما يتناسب مع قدراتهم الفعلية، وحين تُخفَّف الضغوط الاجتماعية المحيطة بهم (Fowler et al., 2019; World Health Organization [WHO], 2022).

 

 

إن تطبيق العلاج الاجتماعي بشكل فعّال يتطلب أولًا دراسة دقيقة للظروف الاجتماعية التي يمر بها المريض، لفهم مدى تأثيرها في نشوء الحالة المرضية واستمرارها، وتحديد متى يمكن توجيه المريض نحو حياة اجتماعية تتناسب مع شخصيته وقدرته على التعامل مع مختلف أشكال التفاعل الاجتماعي. ولكي تكون التدخلات العلاجية مجدية، ينبغي أن تُنفّذ تدريجيًا، وبالموارد المناسبة، وبطرق تراعي احتياجات الفرد وإمكاناته، مع وضع خطة علاجية متكاملة يُقررها الفريق العلاجي، الذي يضم الطبيب النفسي، الأخصائي الاجتماعي، معالج التأهيل، وأفراد الأسرة، بالتعاون مع الأشخاص المهمين في محيط المريض، سواء في البيت، أو المدرسة، أو العمل، أو العلاقات الشخصية الخاصة.

أن العلاج الاجتماعي لا يعزز التفاعل الاجتماعي فحسب، بل يزيد أيضًا من الفائدة التي يحصل عليها المريض من العلاج الدوائي، بحيث تتحسن نتائج الدواء في ظل بيئة اجتماعية داعمة وملائمة للمرض. وفي بعض البحوث، لوحظ أن الجمع بين العلاج الاجتماعي والعلاج الدوائي يعطي نتائج أفضل  

 

خاتمة

يُعد العلاج الاجتماعي أحد العلاجات المهمة ضمن مجموعة التدخلات التي تهدف إلى تحسين جودة حياة المرضى النفسيين، إذ لا يقتصر دوره على تخفيف الأعراض أو الاعتماد على الدواء فقط، بل يمتد إلى دعم التفاعل الاجتماعي، تعزيز الاستقلالية، وإعادة بناء الهوية، بما يساعد المريض على استعادة مكانته ضمن بيئته اليومية.

 

 

 

المراجع

World Health Organization. (2022). Guidelines on community mental health services: Promoting person-centred and rights-based approaches. WHO.

Rowe, M., Davidson, L., Bradshaw, W., & O’Connell, M. J. (2020). Citizenship, recovery, and mental health. World Psychiatry, 19(2), 159–168.

Fowler, D., Hodgekins, J., Arena, K., Turner, R., Lower, R., Wheeler, K., & Wilson, J. (2018). Social recovery therapy in first-episode psychosis: A randomized controlled trial. British Journal of Psychiatry, 212(6), 336–343.

 

google-playkhamsatmostaqltradent