هل ما تراه رأيًا عامًا… أم مجرد ذباب إلكتروني؟

وفاء عبدالله
الصفحة الرئيسية

 

هل ما تراه رأيًا عامًا… أم مجرد ذباب إلكتروني؟

هل ما تراه رأيًا عامًا… أم مجرد ذباب إلكتروني؟


في عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لم يعد من السهل التمييز بين الرأي العام الحقيقي وذلك المُصنَّع رقميًا. هنا يظهر ما يُعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، وهو شبكة من الحسابات الرقمية التي تُدار بشكل منسق بهدف التأثير في الرأي العام، من خلال تضخيم قضايا معينة أو لفت الانتباه إليها، مقابل تهميش قضايا أخرى قد تكون ذات أهمية أكبر.

تعتمد هذه الظاهرة على ما يُعرف بـ"حسابات البوت" (Automated Bots)، وهي برامج آلية تُصمَّم لنشر محتوى رقمي—مثل التغريدات أو التعليقات—بشكل تلقائي ومنهجي. وتشير دراسات حديثة إلى أن البوتات قد ساهمت بشكل ملحوظ في تضخيم النقاشات السياسية والاجتماعية عبر المنصات الرقمية (Ferrara et al., 2016).

 

كيف يُصنع الوهم؟ آليات عمل الذباب الإلكتروني

تُدار هذه الحسابات غالبًا عبر جهات منظمة أو أفراد يمتلكون خبرة تقنية، حيث تقوم بنشر عدد هائل من الرسائل في وقت قصير، ما يخلق انطباعًا زائفًا بوجود دعم شعبي واسع لفكرة أو موقف معين. كما تُستخدم هذه الحسابات في نشر الأخبار المضللة والشائعات، وإعادة تدويرها بشكل مكثف، بما يعزز تأثيرها النفسي والمعرفي على المتلقين.

وقد أشار جوزيف غوبلز إلى مبدأ دعائي شهير: “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”، وهو ما يتقاطع مع ما يُعرف في علم النفس بـ"تأثير الحقيقة الوهمية" (Illusory Truth Effect)، حيث يؤدي تكرار المعلومة—even لو كانت خاطئة—إلى زيادة تصديقها (Fazio et al., 2015).

 

خصائص الذباب الإلكتروني: كيف تتعرف عليهم؟

يمكن رصد عدد من السمات السلوكية المميزة للذباب الإلكتروني، من أبرزها:

  • استخدام أسلوب عدواني يتضمن السب والسخرية والألفاظ الجارحة، مستفيدين من التخفي خلف حسابات وهمية.
  • التقليل من أهمية القضايا أو تشويهها عبر محتوى مضلل (صور، فيديوهات، أخبار).
  • التحرك الجماعي المنظم لدعم رأي معين دون الاستناد إلى أدلة حقيقية.
  • مهاجمة كل من يخالفهم الرأي، مع استدعاء آخرين للهجوم الجماعي.
  • نشر الشائعات والأخبار الكاذبة حتى تتحول إلى رأي عام.
  • الشعور بالرضا عند مهاجمة شخصيات معروفة لجذب الانتباه.
  • استخدام هذا النشاط كمصدر عمل، مما يدفعهم لاعتماد أساليب استفزازية.
  • إثارة العنصرية والكراهية ضد المختلفين.
  • استغلال مفاهيم مثل الوطنية لتخوين الآخرين.

(رضا،2022)

قمع الآراء المخالفة: كيف تُخنق الأصوات؟

يسهم الذباب الإلكتروني في قمع الآراء المخالفة عبر التعليقات المعارضة والمحتوى الهجومي. فعندما تطالب فئة من المجتمع بحق معين وتستخدم وسمًا (هاشتاق)، يتدخل الذباب الإلكتروني لإضعاف هذه الحملة.

كيف يتم ذلك؟

أولًا: التشكيك 
يتم تقديم تعليقات تبدو منطقية لكنها تقلل من أهمية القضية 

"الموضوع مهم، لكن هل هو أولوية الآن؟"
"
قاعد تضخمون الموضوع"

ثانيًا: الخطاب الهجومي
يُستخدم فيه السب والتخوين

"واضح إنكم تخدمون أجندات خارجية"
"
مطالبكم نكتة بصراحة"


 

صناعة رأي عام مضاد: حيلة الوسوم

يلجأ الذباب الإلكتروني إلى إنشاء وسمٍ مضاد ونشره بكثافة، حتى يتفوق على الوسم الأصلي، مما يخلق انطباعًا مضللًا بأن الأغلبية ضد القضية. هذه الظاهرة تتقاطع مع مفهوم "دوامة الصمت" (Spiral of Silence) الذي طرحته الباحثة إليزابيث نويل-نيومان، حيث يميل الأفراد إلى الصمت إذا شعروا أن رأيهم مخالف للأغلبية (Noelle-Neumann, 1974).

 

الرموز الوطنية والتلاعب العاطفي

قد يستخدم الذباب الإلكتروني صور رموز وطنية أو أعلام في حساباتهم، ليس فقط لإظهار الولاء، بل أحيانًا لربط محتوى سلبي بهذه الرموز. هذا الربط قد يخلق استجابات انفعالية غير واعية لدى المتلقي، وهو ما يُفسر عبر "الإشراط الكلاسيكي" في علم النفس، الذي قدمه إيفان بافلوف.

 

أساليب التأثير النفسي للذباب الإلكتروني

  الكذبة الكبرى

نشر معلومات مضللة وتكرارها حتى تُصدق (Fazio et al., 2015).

عقلية القطيع

إقناع الأفراد بأن الجميع يتبنى رأيًا معينًا، وهو ما يتوافق مع تجارب سولومون آش حول الامتثال (Asch, 1951).

 التعميمات البراقة

استخدام عبارات عاطفية غامضة دون مضمون حقيقي.

 

قضايا المجتمع والمرأة: ساحة مثالية للتلاعب

تُعد القضايا المرتبطة بالمرأة او البطالة او التعليم او الصحة وغيرها من أكثر القضايا استهدافًا. في هذه السياقات، يدخل بعض الأفراد لطرح آراء تبدو موضوعية، لكنها تُستخدم كأداة لتضخيم خطاب معين.

يتدخل الذباب الإلكتروني هنا عبر إعادة إنتاج هذه الآراء وتكثيفها، مما يعطي انطباعًا بوجود رفض واسع، رغم أن الواقع قد يكون أكثر تنوعًا. وهنا لا يتم فقط التأثير على الرأي، بل إعادة تشكيل النقاش بالكامل.

 

 

 هل كل ما يُسمع حقيقي؟

في عالم رقمي مزدحم، لم يعد الصوت الأعلى هو الصوت الحقيقي. الذباب الإلكتروني لا يخلق فقط ضجيجًا، بل يُعيد تشكيل الإدراك، ويوجه الانتباه، ويصنع وهم الإجماع.

 

المراجع

  • Asch, S. E. (1951). Effects of group pressure upon the modification and distortion of judgments.
  • Eagly, A. H. (1987). Sex differences in social behavior: A social-role interpretation.
  • Fazio, L. K., et al. (2015). Knowledge does not protect against illusory truth. Journal of Experimental Psychology.
  • Ferrara, E., et al. (2016). The rise of social bots. Communications of the ACM.
  • Noelle-Neumann, E. (1974). The spiral of silence. Journal of Communication.
  • رضا، مصطفى. (2022). الذباب الإلكتروني وطنين التضليل الإعلامي. دار كفاءة المعرفة.
  • برزيق، بوعلام. (2018، 9 نوفمبر). البروباغندا الرقمية: كيف يعمل الذباب الإلكتروني؟. الجزيرة نت.https://www.aljazeera.net/.






 


google-playkhamsatmostaqltradent